بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحف الظهور والتجلي  /  صحيفة  سادة الوجود / الجزء الثاني / القسم الأول

سفينة نجاة

آية الكرسي

تفسير سيد آي كلام الله القرآن المجيد

المجلس الأول

الله لا إله إلا هو

تفسير سيد الكلام

 

الذكر الأول

تفسير عام وجامع أولي لآية الكرسي سيد آي القرآن

تذكرة :

 أهمية آية الكرسي ومعاني سيادتها وسبيلنا لتفسيرها :

يا طيب : المواظبة على قراءة آية الكرسي سيد آي القرآن المجيد كلام الله سبحانه سيد الكتب ، والإيمان بمعناها ، عرفنا أنه كان معنا في كل أدوار حياتنا ومماتنا حتى أدخلنا الجنة إن شاء الله ، ومع النبي الأكرم وآله صلى الله عليهم وسلم ، ومعهم كل الطيبين الصالحين والمؤمنين المخلصين الحقيقيين ، الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه ، ويطلبون الهدى والرشد فيتحققون به عبودية لله ، مخلصين له الدين .

وبعد أن عرفنا : إنه بقراءة آية الكرسي نحصل على الفضل الكثير ، والثواب الجزيل ، و الكرامات العالية ، والخيرات العظيمة ، وإن آية الكرسي تسبب لقارئها المؤمن بها كل النفع والفائدة ، وفي كل أحواله وأموره ، فرافقته في الحضر والسفر والصحة والمرض وعند لنوم واليقظة وفي طلب الرزق والحفظ والأمن والخوف ، فرفعت عنه الحزن والهم والغم والشر وكل ضرر يأتي من الإنس والجن والشيطان والحيوان والسلطان ، وتبعد عنه كل ظالم وطاغي وضال ، فكانت أنس المؤمن ورفيقه في حله وترحاله ويقظته ونومه ، وفي طاعته وعبادته ، وفي أحلى أيام الله وما يستحب أن يتنفل به ليتقرب له سبحانه .

وعرفنا : بكل ما ذكرنا فضلا عن الثواب الكثير لها وأهميتها وشرفها ، عرفنا ملاك سيادته ، وإنه هذه الآثار الكريمة هو لما فيها من خصائص المعنى ، وإن الإيمان بها هو السبب لتحققنا بآثارها الكريمة وظهور معنى أنها سيد آية القرآن وأكرم آياته لنا .

وإن الأحاديث السابقة : في عين أنها تبين ثواب قراءتها لعمل وطاعة معينه ونافعة لنا في الدنيا وفي الآخرة ، كانت تشرح بحسب المناسبة والزمان والحالة والمكان بعض معناه تصريحا أو تلويحا ، وإنه خصت به لما لها من المعنى المناسب له ، وبهذا نراها تدخل أغلب أحوال العبودية والإخلاص لله بأنه واحد لا شريك له ، وأنه يرعانا بقيوميته ويمدنا بكل ما نحتاجه من نزول الخيرات ، فيرفع عنا بفضل قراءتها كل شر وضرر وسوء  أو تدفعاه قبل حصولها حين جعلها واقية وحرز ، فكانت بما لها من الإقرار بأن الله له ما في السماوات والأرض وهو العلي العظيم ، والواهب لمن يتوسل لله ، يحصل بها كل خير وبركة .

ويا طيب : إن المعنى المهم فيها فضلا عن طلب خيرات الدنيا ، هو معرفة الهدى والرشد الذي كانت تعرفه آية الكرسي ، وأن للخلق مراتب في كرامتهم عند الله ، وإن فيهم من يشفع ويأذن الله له فيحيطه بعلمه ، وهم يكونوا الواسطة والسبب لنزول الخيرات منه لعبادة ، فيتنور من يطيعهم ويتمسك بعروة الله الوثقى حين دخول ولايتهم، فيتنور المؤمن بما ترشده آية الكرسي من ظهور ولاية الله لمن أذن له ونعمه بتعليم هداه لعباده ، وإنه بهم يخرج من أولياء الطاغوت ومن ظلمات غيهم والخلود في النار .

وإن آية الكرسي : في عين أنها تبين ظهور مراتب التكوين ، تعرفنا الهدى فيه لنفس الكائنات ، بل وتعرفنا هدى التشريع وأصوله من الإيمان بالله وحده لا شريك له ، وأنه العالم بالعباد فيختار مَن هم أهلا لأن يكونوا شفعاء عنده ، فيظهر عدله في اختيارهم وتوصيلهم بمعارفه وعلومه ويعلموها للمؤمنين ، فيكونوا شفعاء عنده حين يحيطهم بعلوم تهدي وترشد العباد لكل خير وعبودية ، وبطاعتهم وإخلاص العبودية لله يدخلنا جنته .

ولكي نتعرف على هذه المعاني : بصورة شرح مفسر لمفردات آية الكرسي .

نتدبر يا طيب  أنوارا  : تعرفنا شرحا عاما لما فيها من الألفاظ بصورة مجموعة ، سواء لإعرابها ، أو شرح جامع لها مأخوذا من أفضل كتب الحديث عندنا أو عامة ، فنتعرف على مختصرات لشرحها في نور هذا الذكر ، ثم نور ذكر آخر يشرح مفرداتها مفصلا ، وأنوار لأذكار تشرح آياتها بعده ، ونسأل الله سبحان التوفيق لأن يعرفنا معناها بما يحب ويرضى ، وهو أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 


الإشراق الأول :

إعراب آية الكرسي والصرف والبلاغة :

يا طيب : لما كان البحث هنا في سيد آية القرآن المجيد آية الكرسي جامع وواسع ، وإنه يتعرض لأغلب من تكلم فيها بكلام حسن مفيد نافع ، أو أمر يحب معرفته المتخصصون ويطلبه المحققون ، نذكر في أول البحث إعراب آية الكرسي ، وما تعرضه من معانيها الجامعة في النحو والإعراب أو الاشتقاق والصرف ، أو في القراءة .

ويا طيب : أغلب من فسر وشرح القرآن الكريم تعرض لمسائل متعلقة بإعرابه وبلاغته وحجج القراءة فيه وغيرها من علوم المعاني والفصاحة أو صرف الكلمات واشتقاقها ، بل هناك تفاسير موضوعية لأنواع علومه ، وهناك من التفاسير تتعرض لمسائل معجزاته ، أو لعلومه العصرية والقديمة ، ونحن نختار من تفسير معاصر جمع أغلب ما ذكره في معاني القرآن للزجاج أو للفراء ، أو إعراب القرآن للنحاس وابن الأنباري والزمخشري والطوسي والطبرسي والقرطبي وغيرها من التفاسير المهمة المتعرضة لتفسيره أو متخصصة بإعراب القرآن وصروف كلماته .

فننقل إعرابا جامع : وعاما من كتاب متخصص بإعراب القرآن المجيد وهو :

 الجدول في إعراب القرآن‏ لصافي محمود بن عبد الرحيم‏ الطبعة الرابعة دمشق[1].

إعراب آية الكرسي سيد آي القرآن سيد الكتب في سيد سوره سورة البقرة:

{ اللَّهُ لا إله إلا هو الحي القيوم لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هو الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) } البقرة .


الإشعاع الأول :

إعراب آية الكرسي :

اللَّهُ لا إله إلا هو : اللّه : لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع . لا : نافية للجنس . إله : اسم لا مبنيّ على الفتح في محلّ نصب ، و خبر لا محذوف تقديره موجود . إلّا : أداة استثناء . هو : ضمير مبنيّ في محلّ رفع بدل من الضمير المستكنّ في الخبر ، أو بدل من محلّ لا مع اسمها و محلّه الرفع .

 الحي القيوم :

 الحي: خبر ثان مرفوع، أو هو نعت، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، أو هو مبتدأ خبره جملة لا تأخذه، أو هو بدل من هو .. و مثل ذلك القيوم .

القيوم : خبر ثالث مرفوع .

  لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ :

لا : نافية . تأخذ : مضارع مرفوع . و الهاء : ضمير مفعول به . سنة : فاعل مرفوع . الواو : عاطفة . لا : زائدة لتأكيد النفي. نوم : معطوف على سنة مرفوع مثله .

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ  :

له : اللام : حرف جرّ. و الهاء : ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم .

ما : اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ مؤخّر .  في السموات : جارّ و مجرور متعلّق بمحذوف صلة ما . الواو : عاطفة . ما : مثل الأول و معطوف عليه . في الأرض : مثل في السموات .

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ :

 من : اسم استفهام مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ . ذا : اسم إشارة مبنيّ في محلّ رفع خبر . الذي : اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع بدل من اسم الإشارة أو نعت يجوز عند أبي حيّان بل الأولى عنده : أن يكون من ذا في محلّ رفع مبتدأ خبره الموصول لأن به يتمّ المعنى . يشفع : مضارع مرفوع ، و الفاعل ضمير مستتر تقديره هو . عند : ظرف مكان منصوب متعلّق بيشفع ، أو متعلّق بمحذوف حال من ضمير يشفع . إلّا : أداة حصر . بإذن : جارّ و مجرور متعلّق بمحذوف حال أي لا أحد يشفع إلّا مدفوعا بإذنه أو مأذونا له ، يجوز تعليقه بيشفع . و الهاء : مضاف إليه .

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ :

يعلم : مضارع مرفوع ، و الفاعل ضمير مستتر تقديره هو . ما : اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به . بين : ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف صلة ما . أيدي : مضاف إليه مجرور و علامة الجرّ الكسرة المقدّرة . و هم : ضمير مضاف إليه . الواو : عاطفة . ما : مثل السابق و معطوف عليه . خلف : ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف صلة ما ، و  هم : مضاف إليه .

وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ :

 الواو : استئنافيّة أو حاليّة . لا : نافية . يحيطون : مضارع مرفوع . و الواو : فاعل . بشيء : جارّ و مجرور متعلّق بيحيطون  . من علم : جارّ و مجرور متعلّق بمحذوف نعت لشيء . و الهاء : مضاف إليه . إلّا : أداة استثناء . الباء : حرف جرّ . ما : اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بما تعلّق به الجرّ السابق بشيء لأنه بدل منه ، أو متعلّق بمستثنى محذوف تقديره: إلّا الإحاطة بما شاء من معلومه . شاء : فعل ماض ، و الفاعل ضمير مستتر تقديره هو و الأولى أن يقدّر مفعول شاء: أن يحيطوا به لدلالة قوله و لا يحيطون على ذلك .

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ :

 وسع : فعل ماض . كرسيّ : فاعل مرفوع . و الهاء : ضمير مضاف إليه . السموات : مفعول به منصوب و علامة نصبه الكسرة . الأرض : معطوف على السموات بالواو منصوب مثله .

وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما : الواو : عاطفة أو حاليّة . لا : نافية . يؤود : مضارع مرفوع . و الهاء : مفعول به في محلّ نصب . حفظ : فاعل مرفوع . هم : ضمير متّصل مبنيّ في محلّ جرّ مضاف إليه .

وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ :

 الواو : عاطفة . هو : ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ .

العليّ : خبر مرفوع . العظيم : خبر ثان مرفوع .

جملة : اللّه لا إله إلا هو : لا محلّ لها استئنافيّة.

و جملة : لا إله إلا هو : في محلّ رفع خبر المبتدأ ، اللّه .

و جملة : لا تأخذه سنة : في محلّ رفع خبر رابع للمبتدأ ، اللّه ، أو في محلّ نصب حال من الضمير في القيوم : أي يقوم بأمر الخلق غير غافل .

و جملة : له ما في السموات : في محلّ رفع خبر خامس للمبتدأ ، اللّه .

و جملة : من ذا الذي يشفع ...: لا محلّ لها استئنافيّة .

و جملة : يشفع لا محلّ لها صلة الموصول ، الذي .

و جملة : يعلم ما بين أيديهم : لا محلّ لها استئنافيّة ، أو في محلّ رفع خبر آخر للمبتدأ ، اللّه .

 و جملة : لا يحيطون : لا محلّ لها استئنافيّة أو في محلّ نصب حال من الضمير في أيديهم .

و جملة : شاء : لا محلّ لها صلة الموصول ، ما .

و جملة : وسع كرسيّه : لا محلّ لها استئنافيّة .

و جملة : لا يؤوده حفظهم : لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة الأخيرة ، أو في محلّ نصب حال .

و جملة : هو العليّ : لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة .

 


 

الإشعاع الثاني :

 الصرف لألفاظ آية الكرسي :

 الحي : من صفات الله ، هو صفة مشبّهة من حيي يحيا الباب الرابع ، وزنه فعل بسكون العين و فتح الفاء .

القيوم : من صيغ المبالغة وزنه فيعول ، فيه إعلال بالقلب ، أصله قيووم لأنه من قام بالأمر يقوم إذا دبّره .. اجتمعت الياء و الواو في الكلمة و كانت الأولى منهما ساكنة فقلبت الواو إلى ياء و أدغمت مع الياء الأخرى‏ فأصبح القيوم .

 سنة : فيه إعلال بالحذف، فهو من فعل و سن يسن باب ضرب، حذفت فاؤه من المضارع و من المصدر سنة كما يقال عدة ، وزنه علة بكسر العين .

 نوم : مصدر سماعيّ لفعل نام ينام باب فتح ، وزنه فعل بفتح فسكون.

 كرسيّ : اسم جامد قيل أصله من تركّب الشيء بعضه على بعض ، و منه الكرّاسة لتركّب بعض أوراقها على بعض ، و الكرسيّ سمي بذلك لتركّب خشبة بعضه على بعض ، و في المصباح و تكرّس فلان احطب و غيره إذا جمعه ، و منه الكرّاسة بالتثقيل ، وزنه فعليل بضمّ الفاء .

 حفظ : هو مصدر حفظ يحفظ باب فرح ، وزنه فعل بكسر فسكون .

العليّ : صفة مشبّهة من فعل علا يعلو ، فيه إعلال بالقلب ، لأن أصله عليو بسكون الياء اجتمعت الياء و الواو في الكلمة ، و كانت الأولى منهما ساكنة فقلبت الواو إلى ياء و أدغمت مع الياء الأخرى وزنه فعيل .

 

 

البلاغة

في آية الكرسي واختصار ألفاظها مع علو معناها :

الإيجاز : فقد تضمنت آية الكرسي من الإيجاز ما لا مطمع فيه لتقليد أو محاكاة .

و يمكن أن نقول : إن البيان اتحد بالمبين في تصوير الملك الحقيقي الذي لا ينازع فيه بأرشق عبارة و أدق وصف ، و فيها ما يسمى بالفصل في علم المعاني ، و هو حذف العاطف للدلالة على أن كل صفة من صفات هذا الملك العظم مستقلة بنفسها.

و قد تضمنت : إيجاز الإيجاز ، و ذلك أنها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ، ظاهرا في بعضها ، و مستكنّا في بعضها الآخر .

 

يا طيب : عرفت أن أغلب من فسر آية الكرسي عرّفنا أعرابها ، ولكن ما ذكرن هو من كتاب متخصص بإعراب القرآن المجيد ، وهو جامع لكل ألفاظه كما عرفت ، وبهذا نختصر تفاصيل قد تعرض لها غيره ، ومختصرات لم تذكر هناك كما هنا ، ومن يريد التوسعة عليه بكتب حجة القراءات أو الإعراب .

وندخل في الإشراق التالي : في أمور جامعة لتفسير آية الكرسي ، أو مع آيتين بعدها ، وقد عرفت أنها ملحقة بها شارحة لأسس معناه ، ومما لابد للمؤمن أن يعرفه من أصول هدى الله سبحانه وبيانه ، فيبحث عن أولياء الله سبحانه ويقتدي بهم ، ويترك الطغاة، وسيأتي بيان أعراب الآتين في  أنوار  تشرحها ، وأما الشرح والتفسير المجموع فهو :

 

 


 

 

الإشراق الثاني :

التفسير الكلي المجمل الجامع لكل آية الكرسي وما بعدها :

يا طيب : إن آية الكرسي من الآيات الكريمة التي توسع في شرحها كل من فسر كتاب الله العزيز القرآن المجيد ، وبين أغلبهم تفاصيل تخصها حتى أن صدر المتألهين فسرها بثلاثمائة واثنان وأربعون صفحة ، ولكن هناك تفاسير مختصرة ، تأخذ غرر الآيات من كل سورة فتفسرها بالحديث أو بالأقوال المختصرة ، لأنه كل التفسير قد لا يتجاوز الجزأين أو جزء ، وهنا في هذا الإشراق ، نذكر مختصر تفسير وشرح لآية الكرسي من أهم كتب الحديث ، ونجعلها في أشعة تشع علينا نورها بقوة اختصارها ، وإن شاء الله يأتي التفصيل في أذكار الأنوار الآتية لتفسير مفردات ألفاظ آية الكرسي سيد آي القرآن المجيد :

 

 


الإشعاع الأول :

شرح وتفسير مختصر لآية الكرسي من تفسير متشابه القرآن :

قوله سبحانه : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم ..... آية الكرسي } .

رد على جميع الكفرة :

فالله : رد على الدهرية ، لأن فيه إثباتا ، و أنهم قالوا بالنفي أصلا .

لا إله إلا هو : رد على الثنوية لأنهم قالوا الله خالق كل الخير ، و إبليس خالق الشر و هو شريك الله .

الحي : رد على من عبد صنما أو وثنا .

القيوم : رد على أصحاب الطبائع حيث قالوا بالكمون و الظهور .

لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ : رد على من قال بإلهية عزير و عيسى ، و رد على جهم فإنه قال : إنه عالم بعلم محدث ، فيجوز عليه السهو .

 لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ : رد على المفوضة ، أنه خلق العالم و فوض أمره إلى شخص محدث ، و على من قال : { إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ }.

 مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ : رد على من نفى الشفاعة .

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ : رد على الجبرية ، حيث قالوا : إنه عالم بعلم ، و قادر بقدرة .

  وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ : رد على الكهنة و المنجمين فيما يعتقدونه في الكواكب .

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ : رد على الفلاسفة حيث قالوا العالم أرض و أفلاك فقط .

وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما : رد على اليهود في قولهم إن الله أعيا بخلق أولهم ، فاستراح يوم السبت .

وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ : رد على الثنوية لثبوت التمانع [2].

يا طيب : حقيقة العلم هو الإثبات ولازمه النفي لما هو ضده كما ذكر، وإن في آية الكرسي أثبات أعظم الحقائق الوجودية ، وهو أن الله : هو الواحد الأحد الذي لا شريك له موجود يستحق العبادة والتوجه له ، وذلك لكون الحي الفعال تجلى في التكوين وظهر نوره بكل شيء فيه فخلقه ، فقام برعايته والعناية به ليوصله لأفضل غاية له فهو الحي القيوم ، ومن غير غفلة عنه لأنه لا تأخذه سنة نعاس فضلا عن النوم، فله مملوك كل شيء مخلوق سواء في السماوات أو في الأرض أو ما بينهما وما فيهما .

ولذا لا يشفع: بوصل الخير من خلقه لشيء من خلقه إلا بإذنه وما يهبه من نوره ، ولإحاطته بكل شيء يختار من يجعله شفيع فيأذن له بما يشاء من نوره وعلمه ، ولا يحاط بعظمته علما وهو محيط بكل خلقه . وإن هناك في ملكوت خلقه الله سبحانه : خلقا يسمى الكرسي، قد وسع السماوات والأرض ، وكل خلق الأشياء والكائنات وهدايتها ، ولا يؤود ولا يثقل على الله خلق شيء ولا هداه، وهو العلي الذي لا يوصف والعظيم القادر على كل شيء بأتقن صنع وتدبير ، فيمتنع وجود شريك له .

 


 

الإشعاع الثاني :

تفسير آية الكرسي بالحديث المختصر في كتب العامة :

و أخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس :

{ اللَّهُ لا إله إلا هُوَ } يريد الذي ليس معه شريك ، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلقه ، لا يضرون و لا ينفعون ، و لا يملكون رزقا و لا حياة و لا نشورا.

{ الحي } يريد الذي لا يموت .  { القيوم } الذي لا يبلى .

{ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } يريد النعاس { وَ لا نَوْمٌ } ...

{ مَنْ ذَا الَّذِي يشفع‏ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } يريد الملائكة ، مثل قوله : { وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ } .

{ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يريد من السماء إلى الأرض .

{ وَ ما خَلْفَهُمْ } يريد ما في السموات .

{ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ } يريد مما أطلعهم على علمه .

{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ } يريد هو أعظم من السموات السبع و الأرضين السبع .

{ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُم } يريد و لا يفوته شي مما في السموات و الأرض .

{ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } يريد لا أعلى منه ، و لا أعظم ، و لا أعز ، و لا أجل ، و لا أكرم[3] .

يا طيب : إن المعرفة بالله سبحانه وتعالى في التوحيد مشتركة بين العامة والخاصة ، ولكن في وصف الله سبحانه بأسمائه الحسنى ، وفي بيان التجلي والظهور بتكريم أفضل خلقه هناك أراء متباينة ، وإظهار حقائق وكتمانها ، وبالخصوص في هذه الآية في مسألة الشفاعة ، فهم يخصوها بالملائكة أو بالنبي الأكرم في الآخرة ، ودون بيان ولاية آله واختصاص إذن الإحاطة بعلمه بهم ، كما عرفت ، وتدبر الإشراق الآتي :

 


 

الإشعاع الثالث :

تفسير آية الكرسي بالحديث من كتب الخاصة :

جاء في تفسير القمي : و أما آية الكرسي : فإنه حدثني أبي عن الحسين بن خالد أنه قرأ أبو الحسن الرضا عليه السلام : [ الم‏ ] .. :

{ اللَّهُ لا إله إلا هو الحي القيوم لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ} وما بينهما وما تحت الثرى ، عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم.

{ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ } .

قال : { ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } فأمور الأنبياء و ما كان .

 { وَ ما خَلْفَهُمْ  } أي ما لم يكن بعد .

 قوله : { إِلَّا بِما شاءَ } أي بما يوحي إليهم .

{وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُم} أي لا يثقل عليه حفظ ما في السماوات وما في الأرض.

و قوله : { لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ } أي لا يكره أحد على دينه .

 إلا بعد أن : { قَدْ تَبَيَّنَ له الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ } :

و هم الذين غصبوا آل محمد حقهم .

 { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ } يعني الولاية .

{ لَا انْفِصامَ لَها } أي حبل لا انقطاع له ، يعني أمير المؤمنين و الأئمة بعده.

{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } و هم الذين اتبعوا آل محمد عليهم السلام .

{ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ  وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ } هم الظالمون آل محمد و الذين اتبعوا من غصبهم .

{ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ } و الحمد لله رب العالمين ، كذا نزلت[4].

يا طيب : إن الحديث الشريف ، شرح أسس معارف آية الكرسي وأصول ما تريد بيانه من الدين ، فأكدت الآية ضرورة التوحيد ، وإن الله الحي القيوم فعال ، وله ملك كل شيء في السماء والأرض وما بينها وما فيهما كله ملك لله ، وإنه تعالى عالم الغيب والشهادة محيط بعباده من قبل ومن بعد ، ورحمان رحيم بهم بصورة عامة لكل الخلق ،  وخاصة لمن يتوجه له ، فهو سبحانه يعرف حقائقهم ويختار أفضلهم لكي يوحي له هداه والرشد الذي يحب أن يحقق به عباده المؤمنين .

وكان البيان : بعد أن عرف أن الله يحيط أنبياءه ورسله بعلمه ، وليس فقط من الملائكة ، وإن ولاية الله مستمرة تشرحها آيتين بعد آية الكرسي ، عرفت فضلها وما تبينه من حقائق ظهور ولاية الله وقيوميته الدائمة لخلقه ، وتطلب الدخول بها .

تعرفنا أنه هناك مقابل : لولاية الله المستمرة إلى يوم القيامة والمختصة بمن يحيطهم بعلهم ويأذن لهم بالشفاعة .

 وهي ولاية : أولياء الطاغوت ، ومن ليس عندهم شيء من علم الله وإن تسلطوا في الدنيا وملكوا منها شيئا مؤقتا ، وهم أعداء نبينا وآله وتصدوا لحكومة المسلمين فغصبوا أهم حق في الوجود لأولياء الله ، لأنهم حكموا وعينوا من يفتي للناس وفق أهوائهم ولم يكن أهل لذلك ، وأقصوا آل محمد صلى الله عليهم الذين أختارهم الله لبيان هداه ورشده وجعلهم أولياء لدينه ، وعروة وثقى لنجاة من تمسك بهم .

فعرفنا : نص حقائق ما هو المقصود في آية الكرسي ، من غير أشارة ، بل ببيان واضح لكل مؤمن صادق يحب أن يدخل ولاية الله سبحانه ويترك ولاية الطاغوت ، و هذا أس غرض آية الكرسي بعد بيان التوحيد وتجلي ظهور نور الله في تكوين الوجود، وإن الله اختار وأشاء أن يحيط آل محمد صلى الله عليهم وسلم بعلمه ورشده .



[1] الجدول في إعراب القرآن ج3ص22 لصافي محمود بن عبد الرحيم .

[2]متشابه القرآن لابن شهرآشوب المازندراني رحمه الله ج1ص106 .

[3] الدر المنثور في تفسير المأثور ج‏1ص324.

[4] تفسير القمي ج1ص84 آية الكرسي . بحار الأنوار ج89ص263ح6ب30 .

[5]  الكشاف عن حقائق التنزيل الزمخشري ج1ص302.

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن حردان الأنباري

موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com