بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في      أصول الدين وسيرة المعصومين
صحف الظهور والتجلي  /  صحيفة  سادة الوجود / الجزء الثاني / القسم الأول

تجلي نور الله السيد في سيد الآيات

آية الكرسي

بيان فضائلها وملاك سيادتها وعظمتها وشأنها الكريم
وظهور آثارها وفوائدها في أدوار حياتنا
مصباح الهدى / النور الخامس

استحباب وبركات آية الكرسي عند الموت وبعده وفي جنة

الإشراق الثاني :

المواظب على قراءة آية الكرسي أسعد إنسان دنيا وآخرة ومن أهل الجنة :

عرفت يا طيب : إن السعادة الحقيقة هو الاطمئنان بفضل الله ورعايته ، وتحقيق أسبابها من تحصيل الهدى والمعرفة بدينه والرشد الذي بينه لنا ، وقد عرفت في أول البحث بيان لأحاديث حثت وحببت المواظبة على قراءة آية الكرسي كل يوم ، وفي وصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : للإمام علي عليه السلام ، بأن يقرئها بعد كل صلاة ، وأمره أن يتعلمها ويعلمها أولاده وجيرانه وقال له إنه لم ينزل عليَّ آية أعظم منها ، وكذا وصى بها فاطمة الزهراء عليه السلام ، وأمرها بأن تثقل ميزانها بقراءتها .

وإن أمير المؤمنين عليه السلام : كان لا يرى لمؤمن عقل بعمق معاني الإسلام وحقائقه أن ترك آية الكرسي ولا يقرئها كل يوم لما فيها من الفضل والكرامة .

وعرفت لها فضلا كريما كثيرا : وإنها لمن يواظب عليها تدخله الجنة ، وعلى المؤمن أن يتمسك بها ويقرئها لكل مهمة وعند كل معضلة وفي الليل والنهار وفي الحضر والسفر ، وبعد وضوؤه وصلاته وعند نومه ، ومن يثبت حقائق آية الكرسي في قلبه إيمانا ويقينا بأن الله سبحانه أنزلها وعلمها وجعلها أعظم آي القرآن وسيد آياته وأفضلها وكلها بركة ، فيزرعها في قلبه ويسكنها في جنانه ، وتكون أنسه حين الوحشة وبل تكون في أجمل المفرحات لروحه ، تكفيه كل شر وتهبه كل خير يكون في صالحه حتى تدخله الجنة ، وهذا هو أعلى ما يتمناه الإنسان المؤمن حقا .

ويا طيب : عرفت أن في كل الأحاديث السابقة كان لقراءة آية الكرسي آثار جميلة وكريمة يتمناها كل إنسان ، ونحن في خاتمة ذكر فضائلها وقبل أن ندخل في نور شرح معانيها ، نُذكّر بأحاديث تخص المؤمن حين الرحيل للرفيق الأعلى والمقام الأسمى، فتسعد من واظب عليها ، ولقنها نفسه في الدنيا قبل قراءته لها وإهدائه له حين الموت وبعده ، فتفرح روحه في هذه الأحوال ، وبها يكون خاتمة البحث نورا ومسكا :

 

 

الجنة :

ثواب قارئ آية الكرسي بمعناها :

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي عبدا لله عليه السلام قَالَ :

مَنْ قَرَأَ : آية الكرسي ، مَرَّةً : صَرَفَ الله عَنْهُ : أَلْفَ مَكْرُوهٍ مِنْ مَكَارِهِ الدُّنْيَا ، وَ أَلْفَ مَكْرُوهٍ مِنْ مَكَارِهِ الْآخِرَةِ ، أَيْسَرُ مَكْرُوهِ الدُّنْيَا الْفَقْرُ ، وَ أَيْسَرُ مَكْرُوهِ الْآخِرَةِ عَذَابُ الْقَبْرِ ، وَ إِنِّي لَأَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى صُعُودِ الدَّرَجَةِ  [380].

 

وَ فِي لُبِّ اللُّبَابِ : عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : يَعْنِي آيَةَ الْكُرْسِيِّ ، إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ .

لَمْ يَكِلِ الله قَبْضَ رُوحِهِ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ [381].

وعرفت : في أحاديث سابقة أن من يقرئها بعد صلاة الفريضة إن الله سبحانه يتولى قبض روحه فيريه كل كرامه ، وكمن جاهد مع الأنبياء حتى استشهد ، وإنها تهون عليه سكرات الموت ، وعرفت فضلها ، وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام :

 مَنْ قَرَأَ آية الكرسي .

 وَ هو سَاجِدٌ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ أَبَدا

 [382].

وقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم :

 مَنْ قَرَأَ آية الكرسي : فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ .

 لَمْ يَمْنَعْهُ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ [383].

ودخول الجنة : أي يكون الإنسان من قبل في رضا الله سبحانه وتعالى ، وهذا ما تهبه آية الكرسي لقارئها ، وطبعا يجب أن يكون مؤمن بها وعارف بمعناه ، ولذا تراها مقترنة مع بعض السور والآيات الكريمة الشارحة لمعناها ، أو ملخصة له كسورة إنا أنزلناه ، أو تعرفنا بعض أهم معانيها ، وكما في الحديث الآتي :

عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ :

سَمِعَ بَعْضُ آبَائِي عليهم السلام رَجُلًا :

يَقْرَأُ : أُمَّ القرآن .

 فَقَالَ : شَكَرَ ، وَ أُجِرَ .

ثُمَّ سَمِعَهُ يَقْرَأُ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

فَقَالَ : آمَنَ وَ أَمِنَ .

ثُمَّ سَمِعَهُ يَقْرَأُ : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ .

فَقَالَ : صَدَّقَ وَ غُفِرَ لَهُ .

ثُمَّ سَمِعَهُ يَقْرَأُ : آيَةَ الْكُرْسِيِّ .

فَقَالَ : بَخْ بَخْ ، نَزَلَتْ بَرَاءَةُ هَذَا مِنَ النَّارِ[384].

فإنه يا طيب : من يثني على الله سبحانه بسورة الحمد ويعرف أنه مالك يوم الدين ، فقد شكر الله ويهبه ما طلب من الهداية للصراط المستقيم عند المنعم عليهم ، إن كان حقيقة مخلصا له ولذا شفعه بسورة التوحيد التي هي بيان لأول آية الكرسي ، فيتدبر معنى آية الكرسي حقا ويبحث عن المنعم عليهم بهداه واقعا ، أي كما في سورة إنا أنزلناه وآية الكرسي أذن لهم بعلمه وأحاطهم به فتعلم منهم ، وبهذا يعمل فيدخل ولاية الله وتنزل براءته من النار بقراءة آية الكرسي ، ومن يخلص من النار يدخل الجنة ، وهذا ما نتمناه ونرجوه بكل ما نعمل به من تعاليم الدين القويم ، وهذا هو الذي تلخصه لنا آية الكرسي ، فنرى ما تجمعه من المعنى لغرر السور التي ترافقها في أغلب الأعمال المستحبة والأدعية والأذكار في كل زمان ومكان والأحوال للعباد .

 


 

معارف :

 آية الكرسي وولاية أمير المؤمنين وآله :

ويا طيب : لكي نتعرف على هذا المعنى أكثر نتدبر الأحاديث التالية ، والتي فيها نفس وجود الكرسي الواسع ، والذي يكون منه الحشر ، وإن المؤمن العارف بحقائق سورته يكون في جميل الكرامة عنده عندما يسأل عن معنى آية الكرسي والقدر وما يطلبه من الله في سورة الفاتحة ، وإنه هل هو مخلص في طلبه ، فيتعرف على معانيها :

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لِعَلِيٍّ عليه السلام :

 حَسْبُكَ : مَا لِمُحِبِّكَ حَسْرَةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ .

وَ لَا وَحْشَةٌ فِي قَبْرِهِ ، وَ لَا فَزَعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [385].

وَ سُئِلَ الْقَارُونِيُّ : ذَاتَ يَوْمٍ ، عَنْ قَوْلِهِ تعالى : { وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ } . فَقَالَ : اقْعُدْ يَا هَذَا الرَّجُلُ ، فَمَا هَذَا مَوْضِعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .

فَقَالَ لَهُ : لَا بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَ يُؤَدِّي فِيهِ الْأَمَانَةَ .

فَقَالَ لَهُ : اعْلَمْ ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ :

تُحْشَرُ الْخَلْقُ حَوْلَ الْكُرْسِيِّ

 كُلٌّ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ ، الْأَنْبِيَاءُ ، وَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ، وَ سَائِرُ الْأَوْصِيَاءِ ، فَيُؤْمَرُ الْخَلْقُ بِالْحِسَابِ ، فَيُنَادِي الله عَزَّ وَ جَلَّ :

{ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ } عَنْ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .

 فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ :

وَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم يُسْأَلُ عَنْ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .

 فَقَالَ لَهُ : نَعَمْ ، وَ مُحَمَّدٌ يُسْأَلُ عَنْ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام [386].

طبعا يا طيب : النبي الأكرم صلى الله يسأل بأنه قد بلغ الولاية في يوم الغدير : ويسأل الناس هل آمنتم بما بلغ وما عرف من ولاية الله في أرضه ومنه عرفتم الرشد ، أم اتبعوا الغواة الطاغين على الحق كما في آخر آية الكرسي والفاتحة ، وهذا معنى ما جاء : 

عَنْ أَبِي هَارُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم : فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَ جَلَّ { وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ } .

 قَالَ : عَنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ علي بن أبي طالب عليه السلام . مَا صَنَعُوا فِي أَمْرِهِ ، وَ قَدْ أَعْلَمَهُمُ الله عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِهِ .

 

و عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم :

لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ :

عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاه ، وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقَهُ ، وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ [387].

يا طيب : إن الدين كله يجب العمل به ، ولكن لكي يتحقق بالرشد الحقيقي والهدى الواقعي ويسير على الصراط المستقيم حقا ، يجب أن يكون متعلم من المنعم عليهم ، وإن آية الكرسي عرفت بعد التوحيد والإخلاص لله وبيان رعايته لعباده بقيوميته التي لا تزول لا تضمحل ، عرفت آية الكرسي أن علم الله سبحانه ، يخصه بمن يشاء ويأذن له فيشفعه فيه لعباده ، وإن من يدخل ولاية الله لابد أن يتبع من خصهم الله بعلمه ، ويكونوا هم سادة العباد وأولي النعيم وهو الهدى الذي يسلك من تبعه صراط الله المستقيم ،  لا كل إنسان طاغي ضال ظالم، ولنعرف هذا المعنى نتدبر  :

 


 

حديث :

سيد الوصيين مع الحارث الهمداني وحديث سيادته :

في المجالس للمفيد عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

دَخَلَ الْحَارِثُ الْهَمْدَانِيُّ : عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عليه السلام فِي نَفَرٍ مِنَ الشِّيعَةِ ، وَ كُنْتُ فِيهِمْ ، فَجَعَلَ الْحَارِثُ يَتَّئِدُ فِي مِشْيَتِهِ وَ يَخْبِطُ الْأَرْضَ بِمِحْجَنِهِ ، وَ كَانَ مَرِيضاً .

فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ، وَ كَانَتْ لَهُ مِنْهُ مَنْزِلَةٌ . 

فَقَالَ عليه السلام : كَيْفَ تَجِدُكَ يَا حَارِثُ ؟

فَقَالَ : نَالَ الدَّهْرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنِّي .

 وَ زَادَنِي أَوَباً غَلِيلًا : اخْتِصَامُ أَصْحَابِكَ بِبَابِكَ .

قَالَ عليه السلام : وَ فِيمَ خُصُومَتُهُمْ ؟

قَالَ : فِيكَ ، وَ فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ قَبْلِكَ ، فَمِنْ مُفْرِطٍ مِنْهُمْ غَالٍ ، وَ مُقْتَصِدٍ تَالٍ ، وَ مِنْ مُتَرَدِّدٍ مُرْتَابٍ لَا يَدْرِي أَ يُقْدِمُ أَمْ يُحْجِمُ .

فَقَالَ عليه السلام : حَسْبُكَ يَا أَخَا هَمْدَانَ ، أَلَا إِنَّ خَيْرَ شِيعَتِي النَّمَطُ الْأَوْسَطُ ، إِلَيْهِمْ يَرْجِعُ الْغَالِي ، وَ بِهِمْ يَلْحَقُ التَّالِي ( القالي) .

فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ : لَوْ كَشَفْتَ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي الرَّيْنَ عَنْ قُلُوبِنَا ، وَ جَعَلْتَنَا فِي ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِنَا .

قَالَ عليه السلام : قَدْكَ‏ ، فَإِنَّكَ امْرُؤٌ مَلْبُوسٌ عَلَيْكَ :

إِنَّ دِينَ الله لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ :

بَلْ بِآيَةِ الْحَقِّ ، فَاعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ .

يَا حَارِثُ : إِنَّ الْحَقَّ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ ، وَ الصَّادِعَ بِهِ مُجَاهِدٌ ، وَ بِالْحَقِّ أُخْبِرُكَ فَأَرْعِنِي سَمْعَكَ ، ثُمَّ خَبِّرْ بِهِ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَصَانَةٌ مِنْ أَصْحَابِكَ .

أَلَا إِنِّي عَبْدُ الله : وَ أَخُو رَسُولِهِ ، وَ صَدِيقُهُ الْأَوَّلُ .

قَدْ صَدَّقْتُهُ : وَ آدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ ، ثُمَّ إِنِّي صَدِيقُهُ الْأَوَّلُ فِي أُمَّتِكُمْ حَقّاً ، فَنَحْنُ الْأَوَّلُونَ ، وَ نَحْنُ الْآخِرُونَ ، وَ نَحْنُ خَاصَّتُهُ : يَا حَارِثُ ، وَ خَالِصَتُهُ .

 وَ أَنَا صَفْوُهُ : وَ وَصِيُّهُ ، وَ وَلِيُّهُ ، وَ صَاحِبُ نَجْوَاهُ وَ سِرُّهُ .

 أُوتِيتُ فَهْمَ الْكِتَابِ ، وَ فَصْلَ الْخِطَابِ ، وَ عِلْمَ الْقُرُونِ وَ الْأَسْبَابِ .

وَ اسْتُودِعْتُ : أَلْفَ مِفْتَاحٍ ، يَفْتَحُ كُلُّ مِفْتَاحٍ أَلْفَ بَابٍ .

 يُفْضِي كُلُّ بَابٍ إِلَى أَلْفِ عَهْدٍ .

وَ أُيِّدْتُ : وَ اتُّخِذْتُ.

 وَ أُمْدِدْتُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ نَفْلًا .

وَ إِنَّ ذَلِكَ لَيَجْرِي لِي : وَ لِمَنْ تَحَفَّظَ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَا جَرَى اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ ، حَتَّى يَرِثَ الله الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا .

وَ أُبَشِّرُكَ يَا حَارِثُ :

لَتَعْرِفَنِّي عِنْدَ الْمَمَاتِ ، وَ عِنْدَ الصِّرَاطِ ، وَ عِنْدَ الْحَوْضِ ، وَ عِنْدَ الْمُقَاسَمَةِ .

قَالَ الْحَارِثُ : وَ مَا الْمُقَاسَمَةُ ؟

قَالَ عليه السلام : مُقَاسَمَةُ النَّارِ ، أُقَاسِمُهَا قِسْمَةً صَحِيحَةً ، أَقُولُ :

هَذَا وَلِيِّي فَاتْرُكِيهِ ، وَ هَذَا عَدُوِّي فَخُذِيهِ .

ثُمَّ أَخَذَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِيَدِ الْحَارِثِ ، فَقَالَ : يَا حَارِثُ أَخَذْتُ بِيَدِكَ كَمَا أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِي .

فَقَالَ لِي : وَ قَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ حَسَدَ قُرَيْشٍ وَ الْمُنَافِقِينَ لِي :

إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ :

أَخَذْتُ بِحَبْلِ الله : وَ بِحُجْزَتِهِ ، يَعْنِي عِصْمَتَهُ مِنْ ذِي الْعَرْشِ تعالى .

وَ أَخَذْتَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ : بِحُجْزَتِي .

وَ أَخَذَ ذُرِّيَّتُكَ بِحُجْزَتِكَ .

وَ أَخَذَ شِيعَتُكُمْ بِحُجَزِكُمْ .

فَمَا ذَا يَصْنَعُ الله : بِنَبِيِّهِ ، وَ مَا يَصْنَعُ نَبِيُّهُ بِوَصِيِّهِ .

خُذْهَا إِلَيْكَ يَا حَارِثُ قَصِيرَة مِنْ طَوِيلِة .

أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ : وَ لَكَ مَا اكْتَسَبْتَ ، يَقُولُهَا ثَلَاثاً .

فَقَامَ الْحَارِثُ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ :

 مَا أُبَالِي بَعْدَهَا مَتَى لَقِيتُ الْمَوْتَ أَوْ لَقِيَنِي .

قَالَ جَمِيلُ بْنُ صَالِحٍ : و أنشدني أبو هاشم السيد الحميري فيما تضمنه هذا الخبر :

قَوْلُ  عَلِيٍّ   لِحَارِثٍ   عَجَـبٌ        كَـمْ  ثَمَّ  أُعْجُـوبَةً   لَهُ حَمَلًا

يَا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ  يَمُتْ  يَرَنِي       مِـنْ  مُؤْمِنٍ  أَوْ مُنَـافِقٍ قُبُلًا

يَعْـرِفُنِي     طَرْفُـهُ    وَ    أَعْرِفُـهُ      بِنَعْتِـهِ  وَ اسْـمِهِ وَ مَا عَمِلَا

وَ أَنْـتَ عِنْدَ  الصِّرَاطِ   تَعْرِفُنِي       فَلَا تَخَـفْ  عَثْـرَةً  وَ لَا زَلَلًا

أَسْـقِيكَ  مِنْ بَارِدٍ عَلَى   ظَمَإٍ      تَخَـالُهُ  فِي  الْحَـلَاوَةِ  الْعَسَلَا

أَقُولُ لِلنَّارِ حِينَ تُوقَفُ لِلْعَرْضِ      دَعِيـهِ   لَا   تَقْتُـلِي  الـرَّجُـلَا

دَعِيـهِ    لَا   تَقْـرَبِيـهِ    إِنَّ   لَـهُ    حَبْـلًا  بِحَبْـلِ  الْوَصِيِّ  مُتَّصِلًا

[388]

يا طيب : الحديث أعلاه وما عرفت قبله ، يريك معاني آية الكرسي وثوابها من دخول الجنة لمن يواظب عليها على معرفة أو فقل على التنزيل ، ويؤمن بأن الله علمه قد شاء في ليلة القدر أن يعلمه لولي دينه ، وبما نسأل الهداية من الله في الفاتحة مخلصين له ، نعرف أنه يجب أن نطلبه من نبينا الأكرم وآله سادة أهل الوجود ، كما أن آية الكرسي سيدة التدوين ، وبهذا تدخل الجنة من يؤمن بها ويواظب عليها عن معرفة .

يا طيب : تدبر حال أهل النجاة بالله ورسوله ووليه ، وأنهم يأخذون بحجزتهم ، وهو السير على صراطهم المستقيم والسلوك بهداهم ورشدهم إلى معارف الله تعالى و الإخلاص له بعبوديته ، وبما يعلمونا من دينهم وهداهم بكل كلامهم وسيرتهم وسلوكهم.

وإنك يا طيب : إن تيقنت أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن المجيد سيد الكتب كلام الله ، فلابد أن تكون قد تجلت بكل علوم شاء الله أن يهبها لعباده ، وبكل معارف كرامته ، وبكل ثواب جزيل بما يسعه الكرسي في الجنة لهم ، بل ما يسعه العرش ، ويكون هو لسادة الوجود ومن تمسك بولايتهم ، فأطاع الله سبحانه بهداهم .

وإن النبي الأكرم صلى لله عليه وآله : كما عرفت في الجزء الأول ، ولو تتابع كل ما كتبه المسلمون وآلفه المؤرخون والمحدثون ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل لأحد من الصحابة ولا لأحد من المسلمين بأنه سيد المتقين ولا سيد المؤمنين ولا سيد الوصيين ، إلا لآله الكرام صلى الله عليهم وسلم :

فإنه بالمتفق عليه : عند كل المسلمين والمؤمنين ومن عنده أقل معرفة بالدين ، أنه صلى الله عليه وآله قال : أن علي سيد الوصيين ، وأن فاطمة الزهراء عليه السلام سيدة نساء العالمين ، وأن الحسن والحسين عليهم السلام سيدا شباب أهل الجنة ، ولمعرفة هذه الأحاديث الكريمة راجع الجزء الأول والأجزاء التالية ، وأنها من بديهيات أهل المعرفة في فضائل أهل البيت وما قال رسول الله صلى الله عليهم في حقهم .

ولذا حقا أن تكون : آية الكرسي سيد آي القرآن تزين غرف وقباب سادة أهل الوجود في الجنة ، وتتحد هناك بنورها لهم كما هي مُعرفة لهم هنا وللمعرفة تدبر يا طيب : سيادتهم في القيامة كما هم في الدنيا ، ثم أعرف كيف تقارنهم في بيوتهم آية الكرسي .

وللمعرفة تدبر يا طيب : سيادتهم في القيامة كما هم في الدنيا ، ثم أعرف كيف تقارنهم في بيوتهم آية الكرسي :

عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم :

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ : نُصِبَ لِي مِنْبَرٌ طُولُهُ ثَلَاثُونَ مِيلًا .

ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ ، أَيْنَ مُحَمَّدٌ فَأُجِيبُ .

فَيُقَالُ لِي : ارْقَ ، فَأَكُونُ فِي أَعْلَاهُ .

ثُمَّ يُنَادِي الثَّانِيَةَ : أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَيَكُونُ دُونِي بِمِرْقَاةٍ .

فَيَعْلَمُ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ :

بِأَنَّ مُحَمَّداً سيد المرسلين

وَ أَنَّ عَلِيّاً سيد الوصيين

فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ الله ، فَمَنْ يُبْغِضُ عَلِيّاً بَعْدَ هَذَا ؟

فَقَالَ صلى الله عليه وآله : يَا أَخَا الْأَنْصَارِ لَا يُبْغِضُهُ مِنَ قُرَيْشٍ إِلَّا سَفَحِيٌّ ، وَ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَّا يَهُودِيٌّ ، وَ لَا مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَعِيٌّ ، وَلَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إِلَّا شَقِيٌّ [389].

 


 

آية الكرسي

 تزين غرف سادة الوجود في الجنة :

يا طيب : عرفت أن الإمام الصادق بل كثير من الأحاديث عن آل محمد عليهم السلام مرت ، أنه يستحب أن تكتب آية الكرسي على حيطان الدار ، وإنها كانت مكتوبة في محراب عبادتهم عليهم السلام ، وكانوا يأمرون المؤمنين بكتابتها ، وذلك لما فيها من الخير والبركة ودفع الشيطان وحزبه .

والآن يا طيب : نعرف إن آية الكرسي مكتوبة وتزين غرف سادة الوجود في الجنة كما هنا :عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

 سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ :

إِنَّ الله تعالى لَمَّا أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ ، فَفَعَلْتُ .

فَقَالَ لِي جَبْرَائِيلُ : إِنَّ اللَّهَ تعالى بَنَى جَنَّةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ ، بَيْنَ كُلِّ قَصَبَةٍ إِلَى قَصَبَةٍ لُؤْلُؤَةٌ مِنْ يَاقُوتٍ مُشَذَّرَةٌ بِالذَّهَبِ ، وَ جَعَلَ سُقُوفَهَا زَبَرْجَداً أَخْضَرَ ، وَ جَعَلَ فِيهَا طَاقَاتٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ .

ثُمَّ جَعَلَ غُرَفَهَا : لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ ، وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ ، وَ لَبِنَةً مِنْ دُرٍّ ، وَ لَبِنَةً مِنْ يَاقُوتٍ ، وَ لَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدٍ .

ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا عُيُوناً : تَنْبُعُ مِنْ نَوَاحِيهَا ، وَ حُفَّتْ بِالْأَنْهَارِ .

 وَ جَعَلَ عَلَى الْأَنْهَارِ : قِبَاباً مِنْ دُرٍّ ، قَدْ شُعِّبَتْ بِسَلَاسِلِ الذَّهَبِ ، وَ حُفَّتْ بِأَنْوَاعِ الشَّجَرِ .

وَ بَنَى فِي كُلِّ غُصْنٍ قُبَّةً : وَ جَعَلَ فِي كُلِّ قُبَّةٍ أَرِيكَةً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ ، غِشَاؤُهَا السُّنْدُسُ وَ الْإِسْتَبْرَقُ ، وَ فَرَشَ أَرْضَهَا بِالزَّعْفَرَانِ ، وَ فَتَقَ بِالْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ ، وَ جَعَلَ فِي كُلِّ قُبَّةٍ حَوْرَاءَ .

وَالْقُبَّةُ: لَهَا مِائَةُ بَابٍ ، عَلَى كُلِّ بَابٍ جَارِيَتَانِ ، وَ شَجَرَتَانِ .

فِي كُلِّ قُبَّةٍ  : مِفْرَشٌ .

وَ كِتَابٌ مَكْتُوبٌ حَوْلَ الْقِبَابِ :

آيَـــةُ الْـكُــرْسِــــيِّ .

فَقُلْتُ : يَا جَبْرَائِيلُ لِمَنْ بَنَى الله هَذِهِ الْجَنَّةَ ؟

قَالَ : بَنَاهَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَ فَاطِمَةَ ابْنَتِكَ .

 سِوَى جِنَانِهِمَا ، تُحْفَةً أَتْحَفَهُمَا اللَّهُ ، وَ لْتَقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [390].

 

يا طيب : لا كلام بعد هذا ، فإنه إن صدقت إن آية الكرسي سيد آي كتاب الله ، فيه متحدة في المعنى مع سادة الوجود نبينا وآله هنا ، فإنها نفعتك آية الكرسي هناك ، وتكون معهم ، وحصلت على كل ما عرفت من النفع والبركات والثواب لها مما مر ، حتى تدخلك الجنة ، وإلا فلا.

وبعد أن عرفنا كل هذا الثواب لسيد آي القرآن آية الكرسي : وأنه لابد من معرفة الحق بها والتمسك برشدها وهداها ، نتعرف على بعض ما ذكر في تفسيرها ، ونشرح ما يمكن أن نعرفه من تعاليمها ، وأسأل الله التوفيق لي ولكم ، وأن يجعل نور ولايته بكل حقائقه متجلي لنا حتى يدخلنا الجنة بحق سيد آي القرآن وسادة أهل التكوين نبينا وآله الطيبين الطاهرين ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 



[380] وسائل‏ الشيعة ج11ص396ب24ح15098/2.تفسير العياشي ج1ص136س2ح 451. بحار الأنوار ج89ص267ب30ح16 وفي الأمالي ‏للصدوق  ص98م21ح6 .

[381] مستدرك‏ الوسائل ج5ص 68ب21ح5378-6 .

[382] بحار الأنوار ج89ص269ب 30.جامع ‏الأخبار ص46ف22.

[383] بحار الأنوار ج89ص 269ب30. جامع ‏الأخبار ص45ف22.

[384]الأمالي ‏للصدوق ص606م88ح10 . الدعوات ص110ح245 . بحار الأنوار ج89ص261ب29ح57. فضل سورة الفاتحة ، بحار الأنوار ج89ص 262 ب30ح2 .

[385] المناقب ج3ص237  .  بحار الأنوار ج39ص228ب86.

[386] بحار الأنوار ج39ص228ب86ح2 . الروضة في المعجزات والفضائل 126 .

بحار الأنوار ج39ص228ب86ح2 .

[387] جامع ‏الأخبار ص175ف39. الخصال ج1ص253ح125. بحار الأنوار ج7 ص258ب11ح1 .

[388] بحار الأنوار ج6ص178ب7ح7. الأمالي ‏للمفيد  ص3ح3 .

[389] المناقب ج3ص230 ، بحار الأنوار ج39ص222ب86 . عن  أبو الحسن الدار قطني و أبو نعيم الأصفهاني في الصحيح و الحلية بالإسناد عن سفيان بن عيينة عن أنس قال ..

[390] بحار الأنوار ج43ص40ب3 . دلائل ‏الإمامة ص50 . المناقب ج3ص333 .

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن حردان الأنباري

موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com