بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في      أصول الدين وسيرة المعصومين
صحف الظهور والتجلي  /  صحيفة  سادة الوجود / الجزء الثاني / القسم الأول

تجلي نور الله السيد في سيد الآيات

آية الكرسي

بيان فضائلها وملاك سيادتها وعظمتها وشأنها الكريم
وظهور آثارها وفوائدها في أدوار حياتنا
مصباح الهدى / النور الثالث :

فضل قراءة آية الكرسي في أيام الله والمناسبات المهمة

الإشعاع الثالث :

بحث في استحباب صلاة يوم عيد الغدير جماعة :

ويا طيب : قال باستحباب صلاة الغدير بالصفة المذكور في الحديث أعلاه ، وبما يستحب العمل فيه ، أغلب الفقهاء إن لم نقل كلهم .

 وقال قسم منهم : باستحباب صلاة يوم الغدير جماعة رجاء المطلوبية .

 بل بعضهم : جعل صلاة الجماعة في يوم الغدير استحبابا مؤكدا ، ولكن الأغلب جعل أن تصلى مفرد هو المستحب ، ولم يستثني صلاة الغدير من عدم جواز صلاتها جماعة للنهي عن جعل صلاة النوافل في جماعة ، ومن جوزها اعتبرها صلاة عيد ، وللنفع الكثير فيها ، و وذكر لها بعض الشواهد ، وننقل منه خلاصة ما ذكر فيها :

قال في العروة الوثقى : ففي خبر علي بن الحسين العبدي عن الصادق عليه السلام  : من صلى فيه - أي في يوم الغدير - ركعتين ، يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة ، يسأل الله عز وجل ، يقرأ في كل ركعة :

سورة الحمد مرة ، وعشر مرات قل هو الله أحد ، وعشر مرات آية الكرسي ، وعشر مرات إنا أنزلناه ، عدلت عند الله عز وجل مائة ألف حجة ومائة ألف عمرة ، وما سأل الله عز وجل حاجة من حوائج الدنيا وحوائج الآخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة .

وإن فاتتك الركعتان قضيتها بعد ذلك .

وذكر بعض العلماء : أنه يخرج إلى خارج المصر ، وأنه يؤتى بها جماعة .

وأنه يخطب الإمام : خطبة مقصورة على حمد الله والثناء والصلاة على محمد وآله ، والتنبيه على عظمة حرمة هذا اليوم ، لكن لا دليل على ما ذكره ، وقد مر الإشكال في إتيانها جماعة في باب صلاة الجماعة[201] .

وقد عرفت: هو أنهم لم يستثنوا من صلاة النوافل في جماعة إلا صلاة الاستسقاء.

ولم أرى كثير لمن جوز صلاة الغدير جماعة : مع كثرة من علق على كتاب العروة الوثقى ، إلا كاشف الغطاء ، وقال السيد الشيرازي في تعليقته عليه : وقد مر أن الأقوى الجواز . وأنه جوزه على ما ذكر في العروة الوثقى :

قال :  ( مسألة 2 ) : لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصلية ، وإن وجبت بالعارض بنذر أو نحوه ، حتى صلاة الغدير على الأقوى .

وعلق عليه فقال السيد محمد الشيرازي : والأقوى مشروعيتها فيها .

 وكاشف الغطاء قال : مشروعية الجماعة فيها غير بعيدة [202].

وأغلب الفقهاء : ممن عاصرناهم لم يستثنوا صلاة الغدير ، لعدم مشروعية جواز الجماعة في النوافل إلا ما عرفت ، ومن الأحياء في زماننا :

جوز صلاة يوم الغدير جماعة :

في منهاج الصالحين للسيد محمد صادق الروحاني[203] .

 وفي توضيح المسائل للشيخ محمد تقي بهجت [204].

وسبقهم من المتقدمين في جواز صلاة يوم الغدير جماعة :

ابن زهرة الحلبي في غنية النزوع [205]، والشهيد الأول في الدروس [206] .

 والمحقق الكركي في رسائله [207] ، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة [208]، والسيد محمد العاملي في مدارك الأحكام [209] ، والنوري في خاتمة مستدرك الوسائل [210].

وإن من المتقدمين ممن ذكر خبر : أبو صلاح الحلبي في جواز الجماعة وسكت ، ولم يعلق عليه ، وكأنه ارتضاه المقداد السيوري في نضد القواعد الفقهية [211] ، وقال ، وقال الشهيد الأول في القواعد والفوائد  : وذهب أبو الصلاح[212] إلى استحباب الجماعة في صلاة الغدير ، وفي كلامه إيماء  إلى أن النبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك[213] .

 


 

 

والعلامة الحلي في أغلب كتبه ومنها : تذكرة الفقهاء قال :

صلاة يوم الغدير : مستحبة ، بعد الغسل قبل الزوال بنصف ساعة ، و هي ركعتان : يقرأ في كل واحدة الحمد مرّة ، و كل واحدة من الإخلاص، و آية الكرسي، و سورة القدر عشر مرات ، ثم يدعو بالمنقول .

و قد روى أبو الصلاح هنا : استحباب الجماعة ، و الخطبة ، و التصافح ، و التهاني لبركة هذا اليوم و شرفه بتكميل الدين بنصب أمير المؤمنين عليه السلام .

قال الشيخ : و هذه الصلاة بعينها رويناها في يوم الغدير ، و هي تعطي أن آية الكرسي في يوم الغدير إلى قوله ... { هُمْ فِيها خالِدُونَ } [214].

وأما الشهيد الأول : في اللمعة الدمشقية ، وفي شرحها للشهيد الثاني في الروضة البهية قالا : الفصل الحادي عشر : في الجماعة :

وهي مستحبة في الفريضة ، وواجبة في الجمعة والعيدين مع وجوبهما ، وبدعة : في النافلة مطلقا ، إلا في الاستسقاء ، والعيدين المندوبة ، والغدير .

وقال الشهيد الثاني : في وقولٍ ولم يجزم إلا هنا ، ونسبه في غيره للتقي ، ولعل مأخذه شرعيتها في صلاة العيد ، وإنه عيد .

كما واستلطف قول الشهيد الثاني السيد محمد كلانتر محقق كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية في الحاشية ، وذكر بعض شواهد استدلاله بأنه عيد .

وأما غيره ممن عرفت حسب تتبعنا اليسير : فقد منع من صلاة الجماعة في النوافل كما عرفت ، وبالخصوص من ممن عاصرناهم منهم في :

 منهاج الصالحين للمرحوم السيد محسن الطباطبائي الحكيم قال :

لا تشرع صلاة الجماعة لشيء من النوافل الأصلية : وإن وجبت بالعارض لنذر أو نحوه  ، حتى صلاة الغدير على الأقوى .

 وذكر الشهيد الصدر في تعليقته بالهامش : بل لم تثبت مشروعيتها في نفسها فضلا عن مشروعية الجماعة فيها . ـ وهذه أشد عبارة وجدتها في المنع منها ـ .

وكذا فيما توفرت لدينا من الرسائل العملية : لم يشير لاستثنائها : السيد عبد الأعلى السبزواري من حرمة الجماعة في النوافل في جامع الأحكام ، ولا السيد الإمام الخميني في توضيح المسائل ، ولا السيد الخوئي في منهاج الصالحين ، ولم يستثنه السيد محمد الشيرازي في المسائل الإسلامية مع أنه قال بجوازها في تعليقه على العروة الوثقى ، ولا السيد صادق الشيرازي في المسائل الإسلامية الحديثة  ، ولا السيد علي الحسيني السيستاني في توضيح المسائل ، ولا آية الله لشيخ مكارم الشيرازي في رسالة توضيح المسائل ، ولا السيد محمد سعيد الحكيم منهاج الصالحين .

ولعله لهم قول آخر في كتب بحثهم الخارج : كالسيد الشيرازي كما عرفت ، لأنه مجرد لم يستثني لا يعني أنه ليس له قول آخر بخصوصها، وعلى كل حال على كل مكلف أن يقلد المجتهد الأعلم في زمانه، ويراجع لقوله في استحباب إتيانها جماعة أم لا.

ويا طيب : إنما فصلنا القول فيها بعض الشيء بالإشارة دون نقل الأقوال ، هو لأهمية صلاة الغدير التي أطبق تقريبا على استحبابها مفردا جميع الفقهاء ، إلا ندر يسير لم يذكرها أو عارض بإقامتها وإن لم أجد .

لأنه يا طيب: صلاة يوم الغدير بهذه الصفة ، هي خلاصة ما ذكرنا كله مما عرفت من استحباب تلاوة آية الكرسي في كل النوافل ، وهو يظهر في صلاة يوم الغدير ، وغرض يوم الغدير من تنصيب الله سبحانه لولي الأمر الذي أشار له في تبين الرشد من الغي في آية الكرسي ، وإنه به يحصل الرشد، ويختلط أمر الدين ويختلفون بدون ولي دين معروف للمسلمين يكون عنده علم الله سبحانه ، ويعرف حقائق تشريعه بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة ، وليس الإمام علي عليه السلام وحده فقط، بل كل الأئمة حتى الإمام الثاني الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه الشريف ، فإنه بدون معرفة الإمام يكون الدين كله غي ولا يظهر الرشد ولم يتبين .

لأنه بدون معرفة ولي الأمر الحق : المعرف لهدى الله الحق ، يكون ممكن للطغاة وهم متسلطون على طول الزمان ، أن يكون لهم حق التشريع ، أو تعيين من يفتي لهم ويصلي بالناس الجماعة ، ويضل الناس عن الحق من الهدى والرشد .

وإن صلاة النوافل : والإصرار فيها في كل كتب الفقه العامة والخاصة وليس عند الشيعة فقط ، بل أن كل المسلمين ذكروا استحباب نوافل كثيرة يستحب تلاوة آية الكرسي وإنا أنزلناه في نوافلهم ، وذكروا لهن فضل كثير لم يذكر لغيرهن من السورة والآيات ، إلى ما ندر كسورة التوحيد أو لسورة الحمد .

وهذا التعليم الإلهي : عرفت أنه كامن فيه معارف ربانية عظيمة ، وهدى الحي القيوم الذي يحي به القلوب ويربيهم بحق لما فيه معرفة ولاة أمره ، وظهور ربوبيته و قيوميته وإذن شفاعته بلعومه لإمام الزمان وأنه شاء بتعليمهم لهداه كما في آية الكرسي .

لأنه عرفت يا طيب : أنه بحسب سور صلاة يوم الغدير بالترتيب هو :

أولا تلاوة الحمد : فنمجد الله ونقر له بالملك كما في آية الكرسي ، ثم نطلب منه الهدى للصراط المستقيم للمنعم عليهم بهداه ، أي شاء أن يهبهم علمه ويأذن لهم به ، كما في آية الكرسي ، ثم نتلو سورة التوحيد : هو للإقرار بالإخلاص لله سبحانه كما في أول آية الكرسي ، ثم نقرأ سورة إنا أنزلناه بعد أن نشرح بآية الكرسي سورة الإخلاص ونعرف توحيده ، ومع شرح تجلي نوره في التكوين والتشريع خلقا وهدى ، نختم بسورة إنا أنزلناه ، لنعرف في ليلة القدر قد أذن الله سبحانه بنزول نور هداه ، وبكل أمر من علمه شاء أن يحيط به وليه وعرفه معارف دينه .

وبهذا : تتجلى حقائق الإمامة والولاية ، وتظهر معنى السيادة في التكوين .

ويا طيب : إن منعت صلاة الجماعة بالنوافل بصورة عامة ، فإنه استثني صلاة الاستسقاء لروايات ، وإنه للسنة بما فعل النبي الأكرم في يوم الغدير ، وندائه للصلاة جامعة ، وأن يوم الغدير عيد الله الأكبر ، يمكن أن يؤتى بصلاة الغدير جماعة رجاء المطلوبية لما فيها من النفع العظيم ، وكما استحبت صلاة العيد مع غيبة الإمام ظاهرا ، وكما أفتى بهذا بعض العلماء ، وعلى كل حال كل إنسان مؤمن يرجع لمن يقلده في فتواه ، وإن كان يكفي بإتيانها مفردا مع إقامة كل ما يستحب في هذا اليوم الأغر .

ولأهمية ما عرفت : من فضل يوم الغدير ، نذكر حديث مفصل بعض الشيء وإن كان هناك أوسع منه يعرفنا فضل هذا اليوم، وفيه تم اجتماع الجمعة والعيد، ومما يعرفنا اهتمام الإمام علي عليه السلام والأئمة الكرام من ولده فيه وفي نشر معارفه وتعاليمه :

 

 

 


 

 

الإشعاع الرابع :

نص خطبة الإمام علي في يوم الغدير وبيانه لحق الولاية الإلهية :

يا طيب : سترى في هذه الخطبة معارف كريمة تعرفنا نص تجلي آية الكرسي بالمعنى والحقيقة ، وظهور إذن الله و إشائته في اختيار أولياء دينه وتشفيعهم لعباده بعلمه ، فترى أن الله سبحانه لم يهمل الخلق بعد تكوينهم بدون ولي دين وسيد لهم فيه بحق صفات الكمال والبذل للهدى بأعلى علم وعمل وعلى طول التاريخ البشري ، و يكون معروف لديهم بحق اليقين أنه المصطفى المختار لظهور ولايته وسيادته سواء نبي كان أو صي نبي.

 وإذا كان يا طيب : سيد الكلام كلام الله هو معجزة الله على طول الزمان ، فكذلك بالإضافة لكل خصائص النبي الأكرم وأوصياءه من آله عليهم السلام هو كان كلامهم سيد الكلام بعد كلام الله ، ولأنه به يعرف عظمة الله وهداه ، وهذه الخطبة تعرفنا بكل يقين سيادة الإمام علي عليه السلام وآله المعلمين لها ، فنراها سيدة في تعريف عظمة الله وجلاله وكيف تجلي نوره في الوجود في أكرم خلقه ومنهم لعباده .

فيا طيب : في هذه الخطبة معارف عالية في معاني التوحيد الإلهي مما يمكن أن يقال بل بيقين يقال أنها شرح تام لآية الكرسي للمتدبر فيها ، فيرى معاني في التوحيد يعز وجودها في التدوين إلا في كلام الإمام وآله عليهم السلام ، وتراها دين يجب أن يتحقق به الإنسان عن معرفة تامة وتدبر كامل ، فيجعلها المؤمن نصب عينه ، ودين يدين به في معرفة عظمة الله وبيان علوه ، وسبب الخلق وكيف هداهم بأولياء الدين .

 ولو يحفظها المؤمن :ويعلمها لمن يحب لكان الحافظ لها في أصادق الإيمان ومن الموحدين لله بأعلى معارف التوحيد ، وبصراط مستقيم حق عرفه أولياء دين الله وأئمة هداه ، وسادة أهل الدنيا والآخرة بل كل مراتب الوجود ، فتدبرها يا طيب لترى حقائق تجلي آية الكرسي وإن لم تذكر في الخطبة نصا ، لكنه بتطبيقها ومعرفة ظهور ولاية الله لعباده وكيف يبين الرشد بسادة الوجود ، تعرف كل حقائق عظمة الله وظهور نور ولايته بحق :

قَالَ السيد بْنُ طَاوُوسٍ فِي كِتَابِ مِصْبَاحِ الزَّائِرِ : عن الْفَيَّاضَ بْنَ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيَّ حَدَّثَ بِطُوسَ سَنَةَ تِسْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ مِائَتَيْنِ وَ قَدْ بَلَغَ التِّسْعِينَ ، أَنَّهُ شَهِدَ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام فِي يَوْمِ الْغَدِيرِ :

 وَ بِحَضْرَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ خَاصَّتِهِ : قَدِ احْتَبَسَهُمْ لِلْإِفْطَارِ ، وَ قَدْ قَدَّمَ إِلَى مَنَازِلِهِمُ الطَّعَامَ ، وَ الْبُرَّ وَ الصِّلَاتِ وَ الْكِسْوَةَ ، حَتَّى الْخَوَاتِيمَ وَ النِّعَالَ ، وَ قَدْ غَيَّرَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَ أَحْوَالِ حَاشِيَتِهِ ، وَ جُدِّدَتْ لَهُ آلَةٌ غَيْرُ الْآلَةِ الَّتِي جَرَى الرَّسْمُ بِابْتِذَالِهَا قَبْلَ يَوْمِهِ ، وَ هو يَذْكُرُ فَضْلَ الْيَوْمِ وَ قَدِيمَهُ ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام :

 حَدَّثَنِي الْهَادِي أَبِي عليه السلام قَالَ : حَدَّثَنِي جَدِّيَ الصَّادِقُ عليه السلام قَالَ :حَدَّثَنِي الْبَاقِرُ عليه السلام قَالَ : حَدَّثَنِي سَيِّدُ الْعَابِدِينَ عليه السلام قَالَ : إِنَّ الْحُسَيْنَ عليه السلام قَالَ :

اتَّفَقَ فِي بَعْضِ سِنِينَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام :

 الْجُمُعَةُ وَ الْغَدِيرُ ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ : عَلَى خَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْ نَهَارِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ حَمْداً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ، وَ أَثْنَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ ، فَكَانَ مِمَّا حُفِظَ مِنْ ذَلِكَ :

 الْحَمْدُ لِلَّهِ : الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى حَامِدِيهِ ، وَ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الِاعْتِرَافِ بِلَاهُوتِيَّتِهِ وَ صَمَدَانِيَّتِهِ وَ رَبَّانِيَّتِهِ وَ فَرْدَانِيَّتِهِ ، وَ سَبَباً إِلَى الْمَزِيدِ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَ مَحَجَّةً لِلطَّالِبِ مِنْ فَضْلِهِ ، وَ كَمَّنَ فِي إِبْطَانِ اللَّفْظِ حَقِيقَةَ الِاعْتِرَافِ لَهُ ، بِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَى كُلِّ حَمْدٍ بِاللَّفْظِ وَ إِنْ عَظُمَ .

وَ أَشْهَدُ : أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، شَهَادَةً نُزِعَتْ عَنْ إِخْلَاصِ الْمَطْوِيِّ ، وَ نُطْقُ اللِّسَانِ بِهَا عِبَارَةٌ عَنْ صِدْقٍ خَفِيٍّ ، أَنَّهُ الْخَالِقُ الْبَدِيءُ ، الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ مَشِيَّتِهِ ، وَ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ مُكَوَّنُهُ .

وَ أَشْهَدُ : أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ، اسْتَخْلَصَهُ فِي الْقِدَمِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِهِ انْفَرَدَ عَنِ التَّشَاكُلِ وَ التَّمَاثُلِ مِنْ أَبْنَاءِ الْجِنْسِ ، وَ أْتَمَنَهُ آمِراً وَ نَاهِياً عَنْهُ ، أَقَامَهُ فِي سَائِرِ عَالَمِهِ فِي الْأَدَاءِ و مَقَامَهُ .

إِذْ كَانَ : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ لَا تَحْوِيهِ خَوَاطِرُ الْأَفْكَارِ ، وَ لَا تُمَثِّلُهُ غَوَامِضُ الظِّنَنِ فِي الْأَسْرَارِ ، لا إله إلا هُوَ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ ، قَرَنَ الِاعْتِرَافَ بِنُبُوَّتِهِ بِالِاعْتِرَافِ بِلَاهُوتِيَّتِهِ ، وَ اخْتَصَّهُ مِنْ تَكْرِمَتِهِ بِمَا لَمْ يَلْحَقْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَرِيَّتِهِ ، فَهَلْهَلَ ذَلِكَ بِخَاصَّتِهِ وَ خَلَّتِهِ ، إِذْ لَا يَخْتَصُّ مَنْ يَشُوبُهُ التَّغْيِيرُ ، وَ لَا يُخَالِلُ مَنْ يَلْحَقُهُ التَّظْنِينُ ، وَ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَزِيداً فِي تَكْرِمَتِهِ ، وَ تَطْرِيقاً لِلدَّاعِي إِلَى إِجَابَتِهِ ، فَصَلَّى الله عَلَيْهِ وَ كَرَّمَ وَ شَرَّفَ وَ عَظَّمَ مَزِيداً ، لَا يَلْحَقُهُ التَّنْفِيدُ ، وَ لَا يَنْقَطِعُ عَلَى التَّأْبِيدِ .

 وَ إِنَّ الله تعالى : اخْتَصَّ لِنَفْسِهِ بَعْدَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله  مِنْ بَرِيَّتِهِ :

خَاصَّةً: عَلَّاهُمْ بِتَعْلِيَتِهِ، وَسَمَا بِهِمْ إِلَى رُتْبَتِهِ ، وَجَعَلَهُمُ الدُّعَاةَ بِالْحَقِّ إِلَيْهِ ، وَ الْأَدِلَّاءَ بِالْإِرْشَادِ عَلَيْهِ ، لِقَرْنٍ قَرْنٍ ، وَ زَمَنٍ زَمَنٍ ، أَنْشَأَهُمْ فِي الْقِدَمِ قَبْلَ كُلِّ مَذْرُوءٍ وَ مَبْرُوءٍ ، أَنْوَاراً أَنْطَقَهَا بِتَحْمِيدِهِ ، وَ أَلْهَمَهَا بِشُكْرِهِ وَ تَمْجِيدِهِ ، وَ جَعَلَهَا الْحُجَجَ لَهُ عَلَى كُلِّ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِمَلَكَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَ سُلْطَانِ الْعُبُودِيَّةِ ، وَ اسْتَنْطَقَ بِهَا الْخُرْسَانَ بِأَنْوَاعِ اللُّغَاتِ ، بُخُوعاً لَهُ ، بِأَنَّهُ فَاطِرُ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ ، وَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهُ ، وَوَلَّاهُمْ مَا شَاءَ مِنْ أَمْرِهِ .

جَعَلَهُمْ :تَرَاجِمَةَ مَشِيَّتِهِ ، وَ أَلْسُنَ إِرَادَتِهِ ، عَبِيداً لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ.

 وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ ، وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ، يَحْكُمُونَ بِأَحْكَامِهِ ، وَ يَسُنُّونَ سُنَّتَهُ ، وَ يَعْتَمِدُونَ حُدُودَهُ ، وَ يُؤَدُّونَ فُرُوضَهُ .

وَ لَمْ يَدَعِ الْخَلْقَ : فِي بُهَمٍ صَمَّاءَ ، وَ لَا فِي عَمًى بَكْمَاءَ .

بَلْ جَعَلَ لَهُمْ عَقُولًا : مَازَجَتْ شَوَاهِدَهُمْ ، وَ تَفَرَّقَتْ فِي هَيَاكِلِهِمْ ، حَقَّقَهَا فِي نُفُوسِهِمْ ، وَ اسْتَعْبَدَ لَهَا حَوَاسَّهُمْ ، فَقَرَّتْ بِهَا عَلَى أَسْمَاعٍ وَ نَوَاظِرَ وَ أَفْكَارٍ ، وَ خَوَاطِرَ أَلْزَمَهُمْ بِهَا حُجَّتَهُ ، وَ أَرَاهُمْ بِهَا مَحَجَّتَهُ ، وَ أَنْطَقَهُمْ عَمَّا تَشْهَدُ بِهِ بِأَلْسِنَةٍ ذَرِبَةٍ ، بِمَا قَامَ فِيهَا مِنْ قُدْرَتِهِ وَ حِكْمَتِهِ ، وَ بَيَّنَ بِهَا عِنْدَهُمْ بِهَا ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَ إِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ، بَصِيرٌ شَاهِدٌ خَبِيرٌ .

 وَ إِنَّ الله تعالى : جَمَعَ لَكُمْ مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَيْنِ عَظِيمَيْنِ كَبِيرَيْنِ ، لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ ، لِيُكْمِلَ أَحَدُكُمْ صُنْعَهُ ، وَ يَقِفَكُمْ عَلَى طَرِيقِ رُشْدِهِ ، وَ يَقْفُوَ بِكُمْ آثَارَ الْمُسْتَضِيئِينَ بِنُورِ هِدَايَتِهِ ، وَ يُشْمِلَكُمْ صَوْلَهُ ، وَ يَسْلُكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ قَصْدِهِ ، وَ يُوَفِّرَ عَلَيْكُمْ هَنِيءَ رِفْدِهِ .

فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ : مَجْمَعاً نَدَبَ إِلَيْهِ لِتَطْهِيرِ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَ غَسْلِ مَا أَوْقَعَتْهُ مَكَاسِبُ السَّوْءِ مِنْ مِثْلِهِ إِلَى مِثْلِهِ ، وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَ تِبْيَانَ خَشْيَةِ الْمُتَّقِينَ .

وَ وَهَبَ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ : فِي الْأَيَّامِ قَبْلَهُ ، وَ جَعَلَهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالِايْتِمَارِ لِمَا أَمَرَ بِهِ ، وَ الِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ ، وَ الْبُخُوعِ بِطَاعَتِهِ فِيمَا حَثَّ عَلَيْهِ وَ نَدَبَ إِلَيْهِ ، وَ لَا يَقْبَلُ تَوْحِيدَهُ إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ لِنَبِيِّهِ بِنُبُوَّتِهِ ، وَ لَا يَقْبَلُ دِيناً إِلَّا بِوَلَايَةِ مَنْ أَمَرَ بِوَلَايَتِهِ ، وَ لَا يَنْتَظِمُ أَسْبَابُ طَاعَتِهِ ، إِلَّا بِالتَّمَسُّكِ بِعِصَمِهِ وَ عِصَمِ أَهْلِ وَلَايَتِهِ‏ .

فَأَنْزَلَ الله : عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله فِي يَوْمِ الدَّوْحِ ـ أي يوم غدير خم ـ، مَا بَيَّنَ بِهِ عَنْ إِرَادَاتِهِ فِي خُلَصَائِهِ وَذَوِي اجْتِبَائِهِ ، وَأَمَرَهُ بِالْبَلَاغِ ، وَ تَرْكِ الْحَفْلِ بِأَهْلِ الزَّيْغِ وَ النِّفَاقِ ، وَ ضَمِنَ لَهُ عِصْمَتَهُ مِنْهُمْ ، وَ كَشَفَ مِنْ خَبَايَا أَهْلِ الرَّيْبِ وَ ضَمَائِرِ أَهْلِ الِارْتِدَادِ مَا رَمَزَ فِيهِ .

فَعَقَلَهُ الْمُؤْمِنُ وَ الْمُنَافِقُ : فَأَعَنَّ مُعِنٌّ ، وَ ثَبَتَ عَلَى الْحَقِّ ثَابِتٌ ، وَ ازْدَادَتْ جَهَالَةُ الْمُنَافِقِ ، وَ حَمِيَّةُ الْمَارِقِ ، وَ وَقَعَ الْعَضُّ عَلَى النَّوَاجِدِ ، وَ الْغَمْرُ عَلَى السَّوَاعِدِ ، وَ نَطَقَ نَاطِقٌ ، وَ نَعَقَ نَاعِقٌ ، وَ نَشِقَ نَاشِقٌ ، وَ اسْتَمَرَّ عَلَى مَارِقِيَّتِهِ مَارِقٌ .

وَ وَقَعَ الْإِذْعَانُ : مِنْ طَائِفَةٍ بِاللِّسَانِ دُونَ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ ، وَ مِنْ طَائِفَةٍ بِاللِّسَانِ وَ صِدْقِ الْإِيمَانِ ، فَكَمَّلَ اللَّهُ دِينَهُ ، وَ أَقَرَّ عَيْنَ نَبِيِّهِ ، وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُتَابِعِينَ ، وَ كَانَ مَا قَدْ شَهِدَهُ بَعْضُكُمْ ، وَ بَلَغَ بَعْضَكُمْ ، وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ الله الْحُسْنَى عَلَى الصَّابِرِينَ ، وَ دَمَّرَ اللَّهُ مَا صَنَعَ فِرْعَوْنُ وَ هَامَانُ وَ قَارُونُ وَ جُنُودُهُ ، وَ مَا كَانُوا يَعْرِشُونَ .

 وَ بَقِيَتْ حُثَالَةٌ : مِنَ الضُّلَّالِ ، لَا يَأْلُونَ النَّاسَ خَبَالًا ، يَقْصِدُهُمُ الله فِي دِيَارِهِمْ ، وَ يَمْحُو آثَارَهُمْ، وَ يَبِيدُ مَعَالِمَهُمْ ، وَ يُعَقِّبُهُمْ عَنْ قُرْبِ الْحَسَرَاتِ ، وَ يُلْحِقُهُمْ بِمَنْ بَسَطَ أَكُفَّهُمْ وَ مَدَّ أَعْنَاقَهُمْ وَ مَكَّنَهُمْ مِنْ دِينِ الله حَتَّى بَدَّلُوهُ ، وَ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى غَيَّرُوهُ .

 وَ سَيَأْتِي نَصْرُ الله : عَلَى عَدُوِّهِ لِحِينِهِ ، وَ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ .

وَ فِي دُونِ مَا سَمِعْتُمْ : كِفَايَةٌ وَ بَلَاغٌ ، فَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ الله مَا نَدَبَكُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَ حَثَّكُمْ عَلَيْهِ، وَاقْصِدُوا شَرْعَهُ، وَ سْلُكُوا نَهْجَهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏.

إِنَّ هَذَا يَوْمٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ : فِيهِ وَقَعَ الْفَرَجُ ، وَ رُفِعَتِ الدَّرَجُ ، وَ وَضَحَتِ الْحُجَجُ .

 وَ هو يَوْمُ : الْإِيضَاحِ وَ الْإِفْصَاحِ عَنِ‏ الْمَقَامِ الصُّرَاحِ .

وَ يَوْمُ : كَمَالِ الدِّينِ ، وَ يَوْمُ الْعَهْدِ الْمَعْهُودِ ، وَ يَوْمُ الشَّاهِدِ وَ الْمَشْهُودِ .

وَ يَوْمُ : تِبْيَانِ الْعُقُودِ عَنِ النِّفَاقِ وَ الْجُحُودِ ، وَ يَوْمُ الْبَيَانِ عَنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ.

وَ يَوْمُ : دَحْرِ الشَّيْطَانِ، وَ يَوْمُ الْبُرْهَانِ .

هذا يَوْمُ : الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ .

هَذَا يَوْمُ : الْمَلَإِ الْأَعْلَى الَّذِي أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ .

هَذَا يَوْمُ : الْإِرْشَادِ ، وَ يَوْمُ مِحْنَةِ الْعِبَادِ ، وَ يَوْمُ الدَّلِيلِ عَلَى الْرُوَّادِ .

هَذَا يَوْمُ : إِبْدَاءِ خَفَايَا الصُّدُورِ ، وَ مُضْمَرَاتِ الْأُمُورِ .

هَذَا يَوْمُ : النُّصُوصِ عَلَى أَهْلِ الْخُصُوصِ ، هَذَا يَوْم ُشَيْثٍ ، هَذَا يَوْمُ إِدْرِيسَ ، هَذَا يَوْمُ يُوشَعَ ، هَذَا يَوْمُ شَمْعُونَ . هَذَا يَوْمُ الْأَمْنِ وَ الْمَأْمُونِ .

هَذَا يَوْمُ : إِظْهَارِ الْمَصُونِ مِنَ الْمَكْنُونِ .

 هَذَا يَوْمُ : بَلْوَى السَّرَائِرِ .....

فَلَمْ يَزَلْ عليه السلام يَقُولُ : هَذَا يَوْمٌ ، هَذَا يَوْمٌ ، فَرَاقِبُوا الله وَ اتَّقُوهُ ، وَ اسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوهُ ، وَ احْذَرُوا الْمَكْرَ وَ لَا تُخَادِعُوهُ ، وَ فَتِّشُوا ضَمَائِرَكُمْ وَ لَا تُوَارِبُوهُ .

 وَ تَقَرَّبُوا : إِلَى الله بِتَوْحِيدِهِ ، وَ طَاعَةِ مَنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُطِيعُوهُ .

 لا تُمْسِكُوا : بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ، وَ لَا يَجْنَحْ بِكُمُ الْغَيُّ ، فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ الله بِاتِّبَاعِ أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا وَ أَضَلُّوا .

قَالَ الله عَزَّ مِنْ قَائِلٍ : فِي طَائِفَةٍ ذَكَرَهُمْ بِالذَّمِّ فِي كِتَابِهِ :

 { إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } .

وَقَالَ تعالى: {وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ الله مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا الله لَهَدَيْناكُمْ } .

أَ فَتَدْرُونَ الِاسْتِكْبَارَ مَا هُوَ : هُوَ تَرْكُ الطَّاعَةِ لِمَنْ أُمِرُوا بِطَاعَتِهِ، وَ التَّرَفُّعُ عَلَى مَنْ نُدِبُوا إِلَى مُتَابَعَتِهِ ، وَ القرآن يَنْطِقُ مِنْ هَذَا عَنْ كَثِيرٍ ، إِنْ تَدَبَّرَهُ مُتَدَبِّرٌ ، زَجَرَهُ وَ وَعَظَهُ‏ .

وَ اعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ : أَنَّ الله عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ : { إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ } .

أَ تَدْرُونَ : مَا سَبِيلُ الله ، وَ مَنْ سَبِيلُهُ ، وَ مَنْ صِرَاطُ الله ، وَ مَنْ طَرِيقُهُ .

أَنَا صِرَاطُ الله : الَّذِي مَنْ لَمْ يَسْلُكْهُ بِطَاعَةِ الله فِيهِ هُوِيَ بِهِ إِلَى النَّارِ ، وَأَنَا سَبِيلُهُ الَّذِي نَصَبَنِي لِلِإتِّبَاعِ بَعْدَ نَبِيِّهِ .

أَنَا : قَسِيمُ النَّارِ ، أَنَا حُجَّتُهُ عَلَى الْفُجَّارِ ، أَنَا نُورُ الْأَنْوَارِ.

فَانْتَبِهُوا : مِنْ رَقْدَةِ الْغَفْلَةِ ، وَ بَادِرُوا بِالْعَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ ، وَ سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ بِالسُّورِ بِبَاطِنِ الرَّحْمَةِ وَ ظَاهِرِ الْعَذَابِ ، فَتُنَادُونَ فَلَا يُسْمَعُ نِدَاؤُكُمْ ، وَ تَضِجُّونَ فَلَا يُحْفَلُ بِضَجِيجِكُمْ ، وَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَغِيثُوا فَلَا تُغَاثُوا .

سَارِعُوا إِلَى الطَّاعَاتِ : قَبْلَ فَوْتِ الْأَوْقَاتِ ، فَكَأَنْ قَدْ جَاءَكُمْ هَادِمُ اللَّذَّاتِ ، فَلَا مَنَاصَ نَجَاءٍ ، وَ لَا مَحِيصَ تَخْلِيصٍ .

عُودُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ : بَعْدَ انْقِضَاءِ مَجْمَعِكُمْ ، بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى عِيَالِكُمْ ، وَ الْبِرِّ بِإِخْوَانِكُمْ ، وَ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَا مَنَحَكُمْ ، وَ اجْتَمِعُوا يَجْمَعِ الله شَمْلَكُمْ ، وَ تَبَارُّوا يَصِلِ اللَّهُ أُلْفَتَكُمْ .

وَ تَهَانَئُوا نِعْمَةَ الله : كَمَا هَنَأَكُمُ الله بِالثَّوَابِ فِيهِ ، عَلَى أَضْعَافِ الْأَعْيَادِ قَبْلَهُ وَ بَعْدَهُ ، إِلَّا فِي مِثْلِهِ .

وَ الْبِرُّ فِيهِ : يُثْمِرُ الْمَالَ ، وَ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ ، وَ التَّعَاطُفُ فِيهِ يَقْتَضِي رَحْمَةَ الله وَ عَطْفَهُ ، وَ هَبُوا لِإِخْوَانِكُمْ وَ عِيَالِكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بِالْجَهْدِ مِنْ جُودِكُمْ ، وَ بِمَا تَنَالُهُ الْقُدْرَةُ مِنِ اسْتِطَاعَتِكُمْ ، وَ أَظْهِرُوا الْبِشْرَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، وَ السُّرُورَ فِي مُلَاقَاتِكُمْ .

وَ الْحَمْدَ لِلَّهِ : عَلَى مَا مَنَحَكُمْ ، وَ عُودُوا بِالْمَزِيدِ مِنَ الْخَيْرِ عَلَى أَهْلِ التَّأْمِيلِ لَكُمْ ، وَ سَاوُوا بِكُمْ ضُعَفَاءَكُمْ فِي مَآكِلِكُمْ ، وَ مَا تَنَالُهُ الْقُدْرَةُ مِنِ اسْتِطَاعَتِكُمْ عَلَى حَسَبِ إِمْكَانِكُمْ ، فَالدِّرْهَمُ فِيهِ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَ الْمَزِيدُ مِنَ الله عَزَّ وَ جَلَّ .

وَصَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ: مِمَّا نَدَبَ الله إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الْجَزَاءَ الْعَظِيمَ كَفَالَةً عَنْهُ ، حَتَّى لَوْ تَعَبَّدَ لَهُ عَبْدٌ مِنَ الْعَبِيدِ فِي الشَّيْبَةِ [الشَّبِيبَةِ] ، مِنِ ابْتِدَاءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا ، صَائِماً نَهَارُهَا ، قَائِماً لَيْلُهَا ، إِذَا أَخْلَصَ الْمُخْلِصُ فِي صَوْمِهِ ، لَقَصُرَتْ إِلَيْهِ أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنْ كِفَايَتِهِ .

وَ مَنْ أَسْعَفَ أَخَاهُ : مُبْتَدِئاً ، وَ بَرَّهُ رَاغِباً ، فَلَهُ كَأَجْرِ مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ ، وَ قَامَ لَيْلَتَهُ ، وَ مَنْ فَطَّرَ مُؤْمِناً فِي لَيْلَتِهِ ، فَكَأَنَّمَا فَطَّرَ فِئَاماً وَ فِئَاماً بَعْدَهَا ، يَعُدُّهَا عَشَرَةً .

فَنَهَضَ نَاهِضٌ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : مَا الْفِئَامُ ؟ قَالَ : مِائَةُ أَلْفِ نَبِيٍّ وَ صِدِّيقٍ وَ شَهِيدٍ ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَكَفَّلَ عَدَداً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ ، فَأَنَا ضَمِينُهُ عَلَى الله تعالى ، الْأَمَانَ مِنَ الْكُفْرِ وَ الْفَقْرِ ، وَ مَنْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَوْ بَعْدَهُ إِلَى مِثْلِهِ ، مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ ، فَأَجْرُهُ عَلَى الله ، وَ مَنِ اسْتَدَانَ لِإِخْوَانِهِ وَ أَعَانَهُمْ فَأَنَا الضَّامِنُ عَلَى الله إِنْ بَقَّاهُ قَضَاهُ ، وَ إِنْ قَبَضَهُ حَمَلَهُ عَنْهُ .

وَ إِذَا تَلَاقَيْتُمْ : فَتَصَافَحُوا بِالتَّسْلِيمِ ، وَ تَهَانَئُوا النِّعْمَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، وَ لْيُبَلِّغِ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ ، وَ الشَّاهِدُ الْبَائِنَ ، وَ لْيَعُدِ الْغَنِيُّ عَلَى الْفَقِيرِ ، وَ الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ ، أَمَرَنِي رَسُولُ الله بِذَلِكَ .

ثُمَّ أَخَذَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ .

وَ جَعَلَ صَلَاتَهُ جُمُعَةً صَلَاةَ عِيدِهِ .

 وَ انْصَرَفَ بِوُلْدِهِ وَ شِيعَتِهِ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام ، بِمَا أَعَدَّ لَهُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَ انْصَرَفَ غَنِيُّهُمْ وَ فَقِيرُهُمْ بِرِفْدِهِ إِلَى عِيَالِهِ [215].

ويا طيب : قول الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه الكرام :

 وجعل صلاته جمعة صلاة عيده :

 إشارة بل نص كريم أخر : بكون يوم الغدير عيد ، فيستحب في صلاة العيد ، ولكنه لما خطب خطبة العيد ، خطبة خُطبة للجمعة ، فصارت خطبتين لصلاة الجمعة ، على أنه كان أهل ذلك الزمان لم يُعدوا لأن يقيم الأئمة عليهم السلام هذه الصلاة جماعة معهم ، وخصوصا في زمانه عليه السلام كثر المنافقون حتى أنه كان لا يستطيع إظهار الكثير من الأعمال ولا ينهى عنها ، ولتسلط مخالفين له فترة طويلة من الزمان قبل خلافته الظاهرية ، ومنعوا أحاديث النبي والتحديث عنه ، وبالخصوص أحاديث الولاية ونقل معارف يوم الغدير وما يخص فضائل أمير المؤمنين ، وإن في كثير من الأمور لم يذعن الناس له ولم يسمعوا كلامه بحقه ، بل حتى حكموا الحكمين رغما عنه ، وكان قبوله للتحكيم قبول أقل المحذورين وأيسر المكروهين ، لأنه إن لم يقبل يتفرق عسكره ويحاربوه ، وكان حتى مع قبوله للتحكيم انقلبوا عليه وحاربوه ولو كان لم يقبل كان لم يبقى معه أحد يحارب به الخوارج ، ولمعرفة بعد الناس عنه تدبر تأريخه وكيف أقصوهم وحاربوهم في الجمل وصفين والنهروان وكربلاء وغيرها .

ويا طيب : إن نفس الحديث الذي كان سبب للنهي عن النوافل هو لأن أمير المؤمنين عليه السلام ، أراد أن ينهى عن صلاة التراويح في شهر رمضان ، فلم يقبل منه فبقي الحديث حجة للمؤمنين مع كونه في حادثة خاصة وبقيت صلاة التراويح يقيمها المخالفون له ، وإن هذا الحديث صار سبب للنهي العام عن كل صلاة جماعة في النوافل ، ولكن هو حديث خاص ، وإنه منع من تشريع ما لم يكن ، لا صلاة الغدير التي هي صلاة عيد ، وبالاتفاق أن صلاة العيد يستحب أن تقام جماعة باستحباب أعلى من إقامتها فرادى ، وأنه رسول الله صلى هذه الصلاة في يوم الغدير قبل الخطبة على ما ذكروا في كيفية حجة الوادع ، ولظروف قاهرة منعة إقامتها بعده ، وعلى كل حال يرجع كل مقلد إلى من يقلده لمعرفة الجواز صلاة الجماعة أم لا، وإن كان الكل جوزها مفردا .

 


 

الإشعاع الخامس :

حديث سيادة عيد الغدير وسيادة الكرام وتقارنهم بآية الكرسي :

يا طيب : عرفت إن أحد أركان صلاة عيد الغدير في كيفيتها هو أن يقرأ فيها آية الكرسي مع سورة الحمد والتوحيد وإنا أنزلناه ، وهن سادة السور والآيات وأعلاها ثوابا ومعنى ، وعرفت العلاقة بينهن في تعليمنا سادة العباد ورشدهم وهداهم الحق وسبيلهم وصراطهم ومن هم حتى اليقين ، ولم يذكر في باقي الأعياد قراءة بهذه الصورة والعناية .

 والآن يا طيب : نذكر حديثا كريما يعرفنا سيادة عيد الغدير على الأعياد ، لنعرف تقارنه مع سادة العباد ، ومع آية الكرسي سيد آي القرآن كما عرفت في كونها ركنا في صلاته ، وأن خطبة سيد الوصيين كانت تشرحها وإن لم تصرح بها .

وبهذا يا موالي : نتيقن معنى كريم أخر وعالي في السيادة لتقارنه بين التدوين والتكوين والأعمال العبادية ، بل علم وعمل وزمان ومكان متحد في تعريف معنى السيادة وتحققها في الثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة صلى الله عليهم وسلم ، فتدبر لطائف صنع الله وجميل إتقان هداه :

أما الحديث الشريف : لسيادة عيد الغدير ، وتوجد أحاديث كثيرة تبين عظمة هذا اليوم ، فنختار الحديث الآتي :  عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام :

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ : زُفَّتْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ إِلَى الله عَزَّ وَ جَلَّ ، كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ إِلَى خِدْرِهَا : يَوْمُ الْفِطْرِ ، وَ يَوْمُ الْأَضْحَى ، وَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ .

وَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ .

وَ إِنَّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ : بَيْنَ الْفِطَرِ وَ الْأَضْحَى وَ الْجُمُعَةِ كَالْقَمَرِ بَيْنَ الْكَوَاكِبِ .

وَ إِنَّ الله عَزَّ وَ جَلَّ : لَيُوَكِّلُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ :

مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ : وَ سَيِّدُهُمْ جَبْراَئِيلُ عليهم السلام .

وَ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ : وَ سَيِّدُهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم .

وَ أَوْصِيَاءَ الله الْمُنْتَجَبِينَ : وَ سَيِّدُهُمْ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صلى الله عليهم وسلم .

 وَ عِبَادَ الله الصَّالحينَ ؛ وَ سَيِّدُهُمْ يَوْمَئِذٍ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ .

 حَتَّى يُذَادُوا بِهَا الْجِنَانَ كَمَا يُذَادُ الرَّاعِي بِغَنَمِهِ الْمَاءَ وَ الْكَلَاءَ .

قَالَ الْمُفَضَّلُ قُلْتُ : يَا سَيِّدِي تَأْمُرُنِي بِصِيَامِهِ ؟

قَالَ : إِي وَ الله إِي وَ الله ، إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام مِنَ النَّارِ ، فَصَامَ شُكْراً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَ إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَماً، وَأَبَانَ فَضْلَهُ وَ وَصِيَّتَهُ، فَصَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَ ذَلِكَ يَوْمُ صِيَامٍ ، وَ قِيَامٍ ، وَ إِطْعَامِ الطَّعَامِ ، وَ صِلَةِ الْإِخْوَانِ ، وَ فِيهِ مَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ ، وَ مَرْغَمَةُ الشَّيْطَانِ [216].

يا طيب : لولا أهمية وسيادة يوم الغدير على الأعياد لما وكل به سادة أهل التكوين والتدوين ، وعرفت فضله وشأنه ، وإن يوم الغدير هو ظهور الولاية والسيادة وبيان أعظم وأكرم وأفضل الناس علما  وعملا وشأنه بعد رسول الله ، وهو ولي لأمر الله فيهم وإمامهم وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله بعده في المسلمين بحق واقع .

ولا غروا : أن يجتمع سادة الوجود في هذا اليوم الكريم أفضل الأعياد ، وتقرأ فيه سيد العلم إنا أنزلناه , وسيدة آي القرآن آية الكرسي .

فإن يوم الغدير : يوم السيادة والولاية والإمامة والرشد والهدى وتمام النعمة ، وفيه فليعمل العاملون ، وليتدبر أحكامه المؤمنون بجد ، ليجددوا العهد ويظهروا أمر الله ويبينوه ويقوموا فرادا ومجتمعين إن أمكن .

وذكر الحر العاملي في وسائل الشيعة : بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ الْغَدِيرِ ، وَ هو الثَّامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَ اتِّخَاذِهِ عِيداً ، وَ كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ فِيهِ ، وَ خُصُوصاً الْإِطْعَامَ وَ الصَّدَقَةَ وَ الصِّلَةَ وَ لُبْسَ الْجَدِيدِ  ، وذكر عدة أحاديث نختار منها واحدا :

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام هَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدٌ غَيْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ الْأَضْحَى وَ الْفِطْرِ ؟

قَالَ عليه السلام : نَعَمْ أَعْظَمُهَا حُرْمَةً . قُلْتُ : وَ أَيُّ عِيدٍ هو جُعِلْتُ فِدَاكَ ؟

قَالَ عليه السلام : الْيَوْمُ الَّذِي نَصَبَ فِيهِ رَسُولُ الله أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .

 وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ .

قُلْتُ : وَ أَيُّ يَوْمٍ هو ؟ قالَ عليه السلام : وَ مَا تَصْنَعُ بِالْيَوْمِ ، إِنَّ السَّنَةَ تَدُورُ ، وَ لَكِنَّهُ يَوْمُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ .

 فَقُلْتُ : وَ مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ .

قَالَ عليه السلام : تَذْكُرُونَ الله عَزَّ ذِكْرُهُ فِيهِ : بِالصِّيَامِ وَ الْعِبَادَةِ وَ الذِّكْرِ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ .

 فَإِنَّ رَسُولَ الله : أَوْصَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ  أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيد .

 وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَفْعَلُ :  كَانُوا يُوصُونَ أَوْصِيَاءَهُمْ بِذَلِكَ فَيَتَّخِذُونَهُ عِيداً [217].

يا طب : عرفت أنه من أهم الذكر والعبادة فيه هي الصلاة ، ويمكن أن تستثنى صلاة الغدير كصلاة الأعياد من المنع في الصلاة في النوافل جماعة وإن استحبت فرادا .

وذكر في بحار الأنوار والإقبال : وفي غيرها من كتب الأدعية الأخرى أعمال كثيرة ليوم الغدير في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، فمن أحب المزيد فليراجعها .

ويا طيب : أن يوم الغدير ، يقرب من تمام السنة ، وفيه خاتمة الأعمال ، وهو مختص بولاية أمير المؤمنين ، ويلحقه يوم أربعة وعشرين يوم المباهلة ويوم خمسة وعشرين يوم التصدق بالخاتم ، وفي كلها نرى تقارن وتعانق كرامة أيام الله لما يقرأ فيها من الأدعية وما يستحب من الصلاة وما يقرأ فيها ، فإنه عرفت في الدعاء الحكاية عن الهداية وتحقق ولاية الله وتمام النعمة وكمال الدين ، وهذا اليوم المبارك الذي تم وكمل به بتعيين الولي المرشد الهادي بعد رسول الله للعباد ، وعرفهم به سيدهم وولي أمرهم بأمر الله تعالى .

ونكتفي بهذا المقدار : عن صلاة يوم الغدير ، ونذكر يوم عديل له فيه نزلت آيات ، تعرفنا به وليا لله ، بل وآله معه بل ولاية الله في الأرض ونورها ، فلنتدبر :

 


 

الإشعاع السادس :

استحباب قراءة آية الكرسي في يوم المباهلة الرابع والعشرين ذي الحجة :

يا طيب : وهذا يوم آخر من أيام الله عظيم ، نزلت فيه آيات كريمة تعرف الصادقين فيما يدعون له من معرفتهم بهدى الله ، وبيان تام لتعريف آل محمد صلى الله عليهم وآله بكرامة الله عليهم في كل شيء وبكل شرف لما يدعوه ويعلموه ، وأن من يرد عليهم كاذب عليه غضب الله كان من كان ، وهو كما جاء في قوله تعالى في آية المباهلة لما عاند نصارى نجران رسول الله وحاجهم بأن عيسى عليه السلام خلقه الله من تراب كآدم عليه السلام ، لكنهم رفضوا فدعاهم بأمر الله تعالى إلى المباهلة ، فقال :

{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن  تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (60)

فَمَنْ  حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ

فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ   أَبْنَاءنَا  وَأَبْنَاءكُمْ

وَنِسَاءنَا  وَنِسَاءكُمْ   وَأَنفُسَنَا  وأَنفُسَكُمْ

ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ الله  عَلَى الْكَاذِبِين (61)

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا الله وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ  الله عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) } آل عمران .

يا طيب : في يوم المباهلة جاء نبي الرحمة بالحسن والحسين على جانبيه ، وفاطمة الزهراء خلفه ، وأمير المؤمنين بين يديه ، وقال لهم : إن باهلت ودعوت عليهم فأمنوا ليرتفع الدعاء ، وذكر نزول هذه الآية والقصة المفصلة له كل من فسرها من المفسرين ، وذكر تأريخ الدين من المؤرخين ، وذكرناها في الجزء الأول من صحيفة سادة الوجود ، وإنه ليس بعد هذا البيان في تعريف آل محمد صلى الله عليهم وآله بالصدق من بيان ، وإن غيرهم ممن يعاندهم ويحاربهم ويرفض هداهم ، يكون من المفسدين الكاذبين وعليه لعنة الله إلى يوم الدين ويكون من الطغاة الخالدين في النار .

وهذه الآية : فيها حكاية أخرى عما عرفت من آية الكرسي ، فإنه من بعد ما جاءك من العلم ، يعني ما جاء في آية الكرسي من أن الله سبحانه وتعالى شاء أن ينزل علمه على نبي الرحمة ويشهدون له آله الكرام ويؤمنوا له فيرتفع الدعاء ، وهذا هو إذن الله بكل شيء في ليلة القدر لولي الأمر .

ويا طيب : إن هذا اليوم كانت فيه كرامة أخرى ، وهي نزول آية الولاية ، وهي آية التصدق بالخاتم ، وهو في قوله تعالى :

{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)

وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ  الْغَالِبُونَ (56)}المائدة.

وذكر هذه الآيات : ونزولها في حق أمير المؤمنين كل من فسرها ، وكتب فيها جزء كامل في كتاب عبقات الأنوار ، وشرحها وبينها الأمينين في كتاب الغدير ، وكذا فصل البحث فيها ومن ذكر نزولها في أمير المؤمنين كل مفسر لكتاب الله ، وفي كتاب إحقاق الحق ، وفي المراجعات ومستدركه ، وفي كثير من كتب الإمامة والولاية .

وقال في إقبال الأعمال : و صلاة التصدق بالخاتم ركعتان ، و هي في الرابع و العشرين من ذي الحجة .

و هي كالغدير وقتا و كيفية و ثوابا .

 و صلاة المباهلة ، و هي في يوم التصدق على الأظهر [218].

وقال الشيخ الطوسي في مصباح التهجد : يوم الرابع و العشرين منه أي من ذي الحجة ، في هذا اليوم تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه و هو راكع في الصلاة ، وذكر حديث الصلاة الذي مر ، و يوم الخامس و العشرين منه هو يوم المباهلة  ، و روي أنه يوم الرابع و العشرين و هو الأظهر .

وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع قال : لما قدم صهيب مع أهل نجران ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله ما خاصموه به من أمر عيسى ابن مريم عليه السلام ، و أنهم ادعوه ولدا ، فدعاهم رسول الله ، فخاصمهم و خاصموه ، فقال :

{فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ   أَبْنَاءنَا  وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا  وَنِسَاءكُمْ   وَأَنفُسَنَا  وأَنفُسَكُمْ

ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) } آل عمران .

فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عليا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلم ، فجمعهم .

فقال لهم العاقب : ( أي لأصحابه ) ما أرى لكم أن تلاعنوه ، فإن كان نبيا هلكتم ، و لكن صالحوه .

فقال رسول الله : لو لاعنوني ما وجدوا لهم أهلا و لا مالا و لا ولد [219].

وقال في بحار الأنوار : في اليوم الرابع و العشرين من ذي الحجة ، من سنة تسع من الهجرة ، باهل رسول الله ،  بعلي و الحسن و الحسين و فاطمة ، صلى الله عليهم وسلم ، نصارى نجران .

و جاء بذكر المباهلة : بأمير المؤمنين و بزوجته و ولديه عليهم السلام محكم القرآن ، و روي أن المباهلة في اليوم الخامس و العشرين من ذي الحجة ، و في الرابع و العشرين تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بالخاتم و هو راكع ، فنزلت ولايته في القرآن [220].

وإن في صلاة هذا اليوم الكريم : نعرف تحقق ما نسأل الله به في سورة الحمد من طلب الهداية، ويقارنها من كون علم الله الذي أذن به وشاء في ليلة القدر وعرفته سورة إنا أنزلناه هو الذي يحيكه الله تعالى لمن يشاء أن يحيطه بعلمه ، وهو وليه الذي عرفه يوم الغدير كما في آية الكرسي ، فتتحد سيادتها بيوم تمام الولاية ، وبيوم المباهلة والتصدق بالخاتم وما نزل به من آيات الله المعرفة لأولياء دينه حتى بعد أمير المؤمنين من الأئمة .

لأنه يوم الغدير : إن خص بأمير المؤمنين ، فيوم المباهلة جمع الله للنبي الأكرم كل  أهل البيت وعرف الحسن والحسين وفاطمة الزهراء عليهم السلم بالصادقين ، وإن غيرهم هو الكاذب . وجعل فيه صلاة يستحب بها أن يقرأ بمثل ما يقرأ في يوم الغدير :

ذكر في وسائل الشيعة :

 بَابُ اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ ، وَ الصَّلَاةِ ، يَوْمَ الْمُبَاهَلَةِ ، وَ هو الرَّابِعُ وَ الْعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ : عن مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمِصْبَاحِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ :

مَنْ صَلَّى فِي هَذَا الْيَوْمِ : يَعْنِي الرَّابِعَ وَ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِنِصْفِ سَاعَةٍ ، شُكْراً لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ وَ خَصَّهُ بِهِ .

يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ : أُمَّ الْكِتَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَ عَشْرَ مَرَّاتٍ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ .

وَ عَشْرَ مَرَّاتٍ آية الكرسي .. إِلَى قَوْلِهِ .. هُمْ فِيها خالِدُونَ .

 وَ عَشْرَ مَرَّاتٍ : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ .

عَدَلَتْ عِنْدَ الله : مِائَةَ أَلْفِ حَجَّةٍ ، وَ مِائَةَ أَلْفِ عُمْرَةٍ ، وَ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ إِلَّا قَضَاهَا لَهُ ، كَائِنَةً مَا كَانَتْ إِنْ شَاءَ الله .

قَالَ الشَّيْخُ : وَ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِعَيْنِهَا رَوَيْنَاهَا فِي يَوْمِ الْغَدِيرِ [221] .

ويا طيب : حقا لها أن تتحد هذه الصلاة بهذه الكيفية بيوم الغدير ، فإن أيام الله وما يذكر فيها من المعرفة لهو بيان لشأن واحد ، وهو بيان ظهور ولاية الله تعالى في أئمة الناس وسادتهم من عباده في التكوين بل والتدوين ، والذين أمر بطاعتهم في قوله :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ

فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي  شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ

إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) } النساء .

وكل أيام الله وما يقرأ فيها تبين ظهور ولاية الله ونزول نوره لنبينا الأكرم ولآله .



[201]  العروة الوثقى السيد اليزدي ج3ص409 .

[202] العروة الوثقى للسيد اليزدي ج3ص115.

[203] منهاج الصالحين للسيد محمد صادق الروحاني ج 1   ص 220 .

[204] توضيح المسائل للشيخ محمد تقي بهجت  ص 271 .

[205] غنية النزوع لابن زهرة الحلبي  ص 108.

[206] الدروس للشهيد الأول ج 1ص217.

[207] رسائل الكركي للمحقق الكركي ج 1 ص 135.

[208] -  مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي ج3ص31.

[209]  مدارك الأحكام للسيد محمد العاملي ج 4 ص 316 .

[210] خاتمة المستدرك للميرزا النوري ج 3 ص 127.

[211]  نضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري  ص 237 .

[212] الكافي : 67 .

[213]  القواعد والفوائد للشهيد الأول ج2ص 315 فائدة 4 .

[214]تذكرة الفقهاء ج‏2ص285م20.

 [215] بحار الأنوار ج94ص113ب60ح8 .مصباح ‏المتهجد 754 . إقبال ‏الأعمال ص462. المصباح ‏للكفعمي ص695ف49،وسائل ‏الشيعة ج10ص444ب14 . 

[216]بحار الأنوار ج : 95 ص : 323ح6 .العدد القوية ص168أعمال يوم الغدير و وقائعه .

[217] وسائل ‏الشيعة ج10ص440ح14 ح13794.

[218] إقبال‏ الأعمال ص535 .

[219] مصباح ‏المتهجد ص : 75

[220] بحار الأنوار ج95ص198ب9 .

[221] وسائل‏ الشيعةج8ص171ب47ح10336.مصباح ‏المتهجد ص758. إقبال‏ الأعمال ص527.

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن حردان الأنباري

موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com