بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين

صحيفة
القرآن المجيد


سورة الفاتحة
بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ (1) الْحَمْدُ للّهِ رَب الْعَلَمِينَ (2) الرّحْمَنِ الرّحِيمِ (3) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيّاك نَعْبُدُ وَ إِيّاك نَستَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِراطَ الْمُستَقِيمَ (6) صِراطَ الّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيرِ الْمَغْضوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضالِّينَ (7)


اسمها وترتيبها :
تسمى : الفاتحة ، الحمد ، أم الكتاب ، أم القرآن ، السبع المثاني [ لأنها سبع آيات وتثنى قراءتها في الصلاة ].
وتلقب : الوافية ، الكافية ، والأساس ، والشفاء ، والشكر ، والدعاء ، والصلاة .
وهي
سبع آيات وفي الترتيب أول سور القرآن ، وترتيب نزولها [ 5 ] ونزلت بعد المدثر وهي مكية .
غرضها :
تأديب العباد لإخلاص التوحيد والعبودية لله تعالى وفق الصراط المستقيم المعين من قبله تعالى والتبري من طريق غيره .
فضلها :
قال الإمام الرضا عليه السلام : (( بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها )) التهذيب ج2ص289ح15.
و عن الباقر عليه السلام :
(( سرقوا أكرم آية في كتاب الله بسم الله الرحمن الرحيم ، و ينبغي الإتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه)) البحار 92ص278ح29.
قال أبو عبد الله عليه السلام :
(( قراءة الحمد شفاء من كل داء إلا السام _ الموت _ )) . البحار جزء 92 ص 261 ح 56 .
. وقال أبو عبد الله عليه السلام :
(( السورة التي أولها تحميد وأوسطها إخلاص وآخرها دعاء سورة الحمد )) الحديث 22.


موضوع آياتها :
للمتدبر : يراها مشتملة على جميع معارف القرآن على إيجازها واختصارها ، فتبدأ بالحمد لله تعالى والإقرار له بالربوبية والمالكية ليوم الدين فتشمل التوحيد والعدل والمعاد ، والاعتراف بالعبودية ، وطلب الاستعانة بالله للاهتداء للصراط المستقيم للذين أنعم الله عليهم من الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، وبالخصوص نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الذين انعم عليهم بالتطهير ووراثة القرآن والرسوخ بعلمه ، فشملت النبوة والإمامة .وتختم بالتبري من أعداء الله وما يبعد عن عبوديته تعالى .
وهي مع ذلك كله : ذكر وتحميد وإقرار وتعليم وتأديب وخضوع وعبودية ، فتشمل مكارم الأخلاق والإقرار بأصول الدين وتشير إلى وجوب الالتزام بفروعه من الطريق المعين من قبل الله تعالى دون غيره .
وللمتدبر : فيها باب واسع في المعارف الإلهية وآداب العبودية ، والتوجه لله تعالى بها في الصلوات الخمسة بمعرفة معناها ، ولا يفوت المؤمن التوسع في معارفها من التفاسير وبالخصوص تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي رحمه الله ، لأن له أكبر الأثر في التربية الروحية وتعلم أهم معارف التوحيد والربوبية والعبودية ، وطريق السلوك لله تعالى من سبيل وصراط نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله عليه وآله .
ولا يفوت المؤمن : هذا التذكر لأنا نتلوها في الصلاة والمناسبات في اليوم الواحد عشر مرات أو أكثر ، فتستحق أن نضع لها زمان لمعرفة معارفها بتفصيل أكثر لننتفع بها بشكل دائم .

 

عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله عز وجل : (( قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل .
إذا قال العبد : بسم الله الرحمن الرحيم .
قال الله جل جلاله : بدأ عبدي باسمي وحق على أن أتتمم له أموره وأبارك له في أحواله .
فإذا قال : الحمد لله رب العالمين
، قال جل جلاله : حمدني عبدي وعلم إن النعم التي له من عندي ، وان البلايا التي دفعت عنه فبتطولي ، أشهدكم أني أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة ، وادفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا .
وإذا قال : الرحمن الرحيم ،
قال الله جل جلاله : شهد لي عبدي أني الرحمن الرحيم ، أشهدكم لا وفرن من رحمتي حظه ، ولأجزلن من عطائي نصيبه .
فإذا قال : مالك يوم الدين ،
قال الله تعالى : أشهدكم كما اعترف إني أنا الملك يوم الدين لأسهلن يوم الحساب حسابه ، ولا تجاوزن عن سيئاته .
فإذا قال العبد : إياك نعبد ،
قال الله عز وجل : صدق عبدي ، إياي يعبد أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي .
فإذا قال : وإياك نستعين ،
قال الله تعالى : بي استعان ، والي التجأ ، أشهدكم لأعيننه على أمره ، ولأغيثنه في شدائده ، ولآخذن بيده يوم نوائبه .
فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة ،
قال الله جل جلاله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ، فقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمل ، وآمنته مما وجل منه )). نور الثقلين ج1ص5ح9 عن عيون الأخبار.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين

رسالة
الصراط المستقيم
للهداية لأصحاب النعيم


وهي رسالة وفق كلام الله العلام ، وعلى نحو الكلام يجر الكلام ، لبيان إمامة وخلافة سادات الإسلام
وهي رسالة تبين هداة ديننا الإسلامي وإمامة نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، والذين أنعم الله عليهم ، وأمرنا بسلوك صراطهم المستقيم ؛ لكونهم الصادقين والشهداء على الأمة الإسلامية على طول الزمان إلى يوم القيامة ، وأن صراطهم المستقيم هو الذي نطلب من الله أن يهدينا إليه في اليوم عشر مرات ، وهي رسالة وفق كلام الله المجيد الذي يفسر بعضه بعض وتنطق آياته في بيان أمثالها


قال الله تعالى : { بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } سورة الفاتحة.

تقديم : في اليوم عشر مرات نطلب الهداية لصراط نبينا وآله :


سورة الفاتحة ( الحمد ) من غرر سور القرآن المجيد ، ومن غرر آياتها ـ بعد التسمية والحمد والدعاء والإقرار بالعبودية ـ آية طلب الهداية للصراط المستقيم الذي أختص به وببيانه سادات الإسلام نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين :
وقد بين الله تعالى أن الصراط المستقيم قد سلكه واختص به ويهدي إليه الذين أنعم عليهم ، وقد بين أنهم منفي عنهم غضبه والطرد عن رحمته ، وليس في هداهم وتعاليمهم ومعارفهم ضلال ولا انحراف ، وأن في اعتقادهم وتعاليمهم وأقوالهم الحق والصدق ولا شبهة ولا شك ، وبالإضافة لهذا بين سبحانه أن المؤمنين المتقين يجب أن يكونوا معهم لأنهم هم الصادقون وهم شهداء يوم الجزاء على أعمال المؤمنين وصدق أيمانهم ، وبشهادتهم يرض الله أعمال المؤمنين إذا شهدوا أنهم قد تبعوهم وانهم غير منحرفون عنهم .
ولما كان لكل ملة وأمة وقوم قبل الإسلام هداة دين ومعلمي لتعاليم الله صادقون عن الله وفي بيان تعاليمه وهم شهداء على أممهم ، وهم المنعم عليهم باختيار الله لهم بأن يكونوا هداة للناس ولدينه ولتعاليمه الحقة ولبيان أحكامه ، وهم أنبياء الله وأوصيائهم في الأمم السابقة ، وهم الذين يسلكون بأقوامهم ومللهم الصراط المستقيم .
فلابد أن يكون في الأمة الإسلامية في كل زمانهم وعلى طول عصرهم الذي يستمر حتى قيام الساعة مختارون من الله ومصطفون من أحسن عباده منعم عليهم ، وهم أصحاب الصراط المستقيم الذين يهدون لحقيقة تعاليمه ومعارفه صادقون وشهداء على الناس يزكون أعمالهم في الدنيا والآخرة أو يخزوهم حسب أتباعهم لهم أو عدمه .
هذا وقد علّمنا الله في سورة الفاتحة الشريفة أن نطلب منه وندعوه في كل يوم عشر مرات في الصلاة كي يجعلنا نسلك سلوك الذين انعم عليهم ونسير على صراطهم المستقيم الذي هو هداهم لتعاليم الله ، ولابد أن يكون هؤلاء الهادين المهدين المنعم عليهم من الأمة الإسلامية لكون تعاليمها أرقا تعاليم الله وهداها أفضل هدى ، ومبلغيها ومعلميها أفضل مبلغين ومعلمين أختارهم الله لتوصيلها للناس ونشرها وتوضيحها وشرحها لهم بصدق ومن غير ضلال .
وأول النعم وهداة دين الله يحب أن يكونوا شرفاء الأمة الإسلامية وسادتهم ، ومطهرون ومنزهون قد مدحهم الله تعالى وبين فضلهم وعلو قدرهم ورفيع مقامهم ، لأن الله تعالى لا يقبل بعد الإسلام دين ، ولا بعد نبينا نبي ولا بعد تعليمه تعاليم ، ولابد أن يبين تعاليمه على طول الزمان بعد نبيه بيد الصادقون والمنعم عليهم المهتدون ، والهداة لصراطه المستقيم ، ولابد أن يكون لهم قيم عالية عند الله والمؤمنون وأحسن الناس ذاتاً وعلماً وعملاً .
ولما كان الذين أنعم عليهم في سورة الفاتحة والذين يهدون للصراط المستقيم ذكرهم مجمل في آيات سورة الحمد ، فلابد أن يكون تعالى قد بينهم وعرفهم للمؤمنين في كلامه المجيد الذي فيه تبيان كل شيء ، وذلك لكي لا ينخدع الذين يرغبون في تعاليمه بالضالين المضلين ومن يفسر ويعلم كلام الله برأيه واجتهاده .
وسترى في هذه الرسالة أن نبينا الأكرم وبعده آله الطيبين الطاهرين عليهم السلام ، وكل واحد منهم في زمانه هو الإمام والهادي لتعاليم الله وصاحب صراطه المستقيم وهو المنعم عليه للهداية والإمامة والخلافة وله القيم العالية والمقام الرفيع والشأن العظيم عند الله ورسوله والمؤمنون الحقيقيون .
وهنا نبين أن نبينا الأكرم محمد وأهل البيت عليه وعليهم الصلاة والسلام هم المختارون من قبل الله تعالى للإمامة والهداية لدينه ، وهم المصطفون من قبل الله والمنعم عليهم وهم الصديقون والشهداء ، وهم أصحاب الصراط المستقيم الذين نطلب من الله أن نسير وفق تعاليمهم لنصل لتعاليم الله الحقيقة التي لا ضلال فيها ولا انحراف ، ونحصل بها على رضا الله ونبتعد عن غضبه وانتقامه ، وكل تعليم مخالف لهم فهو ضلال ويوصل لغضب الله .
أما ما هو الدليل على أن المنعم عليهم هم أهل بيت النبي الأكرم وآله الأطهار دون غيرهم من المسلمين بعده ، وأنهم هم أصحاب الصراط المستقيم ، فهذا له شواهد كثيرة في القرآن الكريم تبين أن أهل البيت عليهم السلام هم الذين أنعم الله عليهم وهم أصحاب الصراط المستقيم كجدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبين يديك كلام بدون توقف وعنوان في رسالة شريفة دليلها كلام الله الذين يبين بعضه بعض من غير فصل بعنوان ، وهي رسالة على نحو :

الكلام يجر الكلام لبيان نعم الله على سادات الإسلام :

قال الله تعالى ليعلمنا يجب أن تذكروا في الصلاة سورة الفاتحة التي ضمنها : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة 6،7 ونحن بعد أن نتوجه له بالعبودية نستعين بالله ونسأله في كل يوم عشر مرات في الصلاة أن يهدينا لصراط الذين أنعم الله عليهم وغير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وهذا ذكر مجمل لوجودهم !! فيا ترى مَن هم وهل بينهم الله سبحانه في القرآن المجيد ؟!!! .
نعم في زمان نبينا فهو وجوده الكريم ولكن الذكر من الضمير
( هم ) في ( عليهم ) يدل على أنهم هم مجموعة من الهداة لصراطه المستقيم ، فهل حقاً ما يقال هم النبي وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله عليهم أجمعين ؟ وإذا هم فما الدليل ؟ وإذا غيرهم فمن هم من المسلمين الأولين وهم مختلفون كل واحد له ما يفتي به مخالف لصاحبه ؟!!
وبعبارة أخرى : الحق سبحانه جاد في دينه ، ويريد الناس أن يصلوا لصراطه المستقيم وفق تعاليمه التي يبينها المنعم عليهم والصادقون ، وكل من يتخلف عنهم يكون ضال ومغضوب عليه ، فيا ترى مَن هم المنعم عليهم لنعرفهم بأنهم أصحاب الصراط المستقيم ؟

نبحث في القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة فمن نجده طاهر وصادق لا يكذب والله قد أنعم عليه ، فهو من أصحاب الصراط المستقيم الذي نطلب من الله أن نسير وفق هداهم وأمرنا الله بالالتحاق به ونسلك سبيله ونتمسك بقوله وفعله ونتبعه في معرفة تعاليم الله ومعارفه ونترك كل من يخالفه وضل عنه .
وهذا الموضوع يتكفل بيان هذا المطلب فأنظر وتدبر وسر على الصراط المستقيم ، ولا تتخلف فتكون من المغضوب عليهم والضالين من حيث تدري أو لا تدري .
قال الله تعالى في حق نبينا محمد صل الله عليه وآله وسلم :
{ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة15ـ 16
وهذا مسلم أن النبي الأكرم وهو نور يهدي بالقرآن المجيد من يتبعه سبل السلام ويخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن الله ويهدينا الصرط المستقيم ، ولكن المشكلة الناقلين لأقوال الرسول الأعظم والمسفرون للقرآن والشارحون مختلفون في كثير من مسائله .
فأيهم صاحب الحق ومَن منهم يجب علينا أن نتبعه لمعرفة أحكام الله الحقيقة ، ومَن هو منهم داخل في الهداة بعد النبي الأكرم للصراط المستقيم ومنعم عليه بنص رسول الله والقرآن الكريم وبالشهادة على المؤمنين ويلتحق به الصديقون ، وهو يكون الخليفة الحقيقي للنبي الأكرم والمبين لأحكام الله بعده والإمام الذي يهدي للصراط المستقيم ، وهو صادق منفي عنه الكذب وطاهر بنص القرآن ، والسنة وهو المخصوص بهذه الكرامة ، والباقي يجب أن يكونوا تبع له ويجب عليهم أطاعته في أقواله وأفعاله .
وبعبارة أخرى : إن الله تعالى قد وصف المؤمنون بالإيمان و الإطاعة والأتباع للرسول مع الثبات إي مع إيمانهم الثابت بالطاعة له والتسليم ، قال تعالى :
{ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} النساء65ـ68 .


فوصف المؤمنين التابعين للرسول الأكرم أن يسلموا للنبي من غير أي حرج وبالثبات التام قولاً و فعلاً و ظاهراً و باطناً على العبودية على أن لا يشذ منهم شاذ من هذه الجهة ، فإذا كانوا بهذه الصفة المنعم عليهم يهدوهم للصراط المستقيم لا أن يكون أصحابه ، و مع ذلك جعل الله هؤلاء المؤمنين المتصفون بالثبات والتسليم تبعا لهداة منعم عليهم ويكون المؤمنون رفقاء لأصحاب الصراط المستقيم و في صف دون وصفهم .
وذلك لأن الله تعالى قال بعد تلك الآيات لبيان مقام المنعم عليهم وعلو شأنهم ورفيع مقامهم ، وأن مَن يؤمن بالله ورسوله يكون ملحق بهم وتابع لهم ولهو نصيب مثل نصيبهم ، تدبر هذه الآية الكريمة ، فإن الله تعالى ذكر أن هنالك أنبياء وصديقون وشهداء وصالحين ، وعرفنا أن من يطع الله ورسوله مع الثبات على الإيمان والتسليم يلتحق بهم ويتنعم بسلوك سبيلهم ويكون رفيق لهم قال الله تعالى :
{ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} النساء 69
لمكان قوله تعالى مع :
{ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} ، وقوله تعالى : { وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} و لم يقل: فأولئك من الذين .
فأصحاب الصراط المستقيم أعلى قدرا و أرفع درجة و منزلة من هؤلاء الذين يطيعون الله والرسول وهم يعملون بالإسلام وبتعاليمه التي تفوق كل تعليم ، وهم المؤمنون الذين أخلصوا قلوبهم و أعمالهم من الضلال و الشرك و الظلم .
فالتدبر في هذه الآيات يوجب القطع بأن هؤلاء المؤمنين لكي يلحقوا بالمنعم عليهم و شأنهم هذا الشأن ، أن المنعم عليهم والصديقين والشهداء هم في مرتبة عالية ومقام رفيع مكرمون من الله .
ثم أن المنعم عليهم وأصحاب الصراط فيهم بقية بعد، لو تمت فيهم كانوا من الذين أنعم الله عليهم وكانوا أصحاب صراط مستقيم ، و ارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم و لعل لهم نوع من العلم بالله ، ذكره في قوله تعالى :
{ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } المجادلة11 فمَن هم أهل العلم الذي رفع درجتهم وكل مطيع لله ورسوله يلحق بهم .
فتحصل : إن الصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدرا ، يربو على نعمة الإيمان التام ، و هذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم وهم أيضاً شهداء وصديقون كما في الآية السابقة .

فيا ترى منهم أصحاب الصراط المستقيم والمنعم عليهم حقيقة من أولياء النعم وأصحاب الصراط المستقيم والصديقون والشهداء في الإسلام الذين نطلب من الله أن نسير على صراطهم المستقيم في اليوم عشر مرات .
وقطعاً لا نطلب النبيين في الأمم السابقة ، بل نطلب صراط المنعم عليهم في الأمة الإسلامية ويجب أن يكونوا هم الصديقين وهم الشهداء وهم الصالحين المقبول عملهم ، وهم الذين يهدون لدين الله الحق وصراطه المستقيم وهم غير ضالين ولا مضلين مطهرون لا يكذبون بنص القرآن والنبي ، وهم الذين تطمئن النفس لعلمهم ولعملهم لأنه لا ضلال فيه ، ويجب علينا الاقتداء بهم والسير وفق هديهم كما نسير على هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في مقام رسول الله من غير نبوة بل بهم إمامة وهم بعده وهم أصحاب الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم مثله .
والله رحمان رحيم ومن لطفه والجمال الذي في القرآن انه يفسر بعضه بعضاً ، وإليك آيات أخرى مثل تلك الآيات التي تأمر المؤمنين والمسلمين والناس كافة أن يكونوا مع أناس موجودين ضمن المسلمين ويعيشون معهم ، ويأمر الله الجميع بالكون معهم والالتحاق بهم والسير وفق هديهم وصراطهم على طول الزمان ، ويصفهم بأوصاف يجعل كل مسلم مؤمن بالله يتوق لمعرفتهم ويحب الكون معهم وسلوك سبيلهم ، بل يجب عليه البحث عنهم والسؤال عنهم لطلبهم وليسير وفق هداهم .
ومثله ما قال سبحانه في الفاتحة اسلكوا الصراط المستقيم للذين أنعمت قال الله تعالى مثلها :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة 119 فالله يأمر المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين ، ومثلها أن الله جعل شهداء على الأمة يشهدون عليهم كقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران 140
أن المراد بالصديقين هم الذين سرى الصدق في قولهم و فعلهم فيفعلون ما يقولون و يقولون ما يفعلون، و الشهداء هم شهداء الأعمال يوم القيامة دون الشهداء بمعنى المقتولين في سبيل الله ، فالذين آمنوا بالله و رسله ملحقون بالصديقين و الشهداء منزلون منزلتهم عند الله أي بحكم منه لهم أجرهم و نورهم.
والآن حان لك يا طيب أن تتعرف على الصديقين والشهداء علينا والذين أنعم الله عليهم ، ويجب علينا سلوك هديهم والسير على صراطهم المستقيم ونأخذ تعاليم القرآن المجيد وسنة النبي الأكرم منهم دون غيرهم ، وإليك أولاً وصف مهم من أوصافهم وهو أن الله تعالى شهد لهم أن لهم نعيم قد أعطاهم إياه على القطع والبت ولا على نحو الوعد والوعيد ، بل حقاً أنهم أصحاب نعيم ، بل وهم أصحاب ملك كبير أقرأ وأفرح بحبك لهم ، وأطمئن لسيرك وفق هداهم الذي هو هدى الله ورسوله قال الله تعالى

{ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
{ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاً وَأَغْلاَلاً وَسَعِيرًا}(4)

{ إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}
الإنسان5ـ22
ومن المتفق عليه عند جميع المسلمين أن
سورة الإنسان ( الدهر ) نازلة في حق أهل البيت وهم فاطمة بنت محمد وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام ، وذلك لنذر نذروه ثم أوفوا به ، وسماهم الله الأبرار ووصف مقامهم في كثير من الآيات في هذه السورة منها الصدق والنعيم والشهادة لهم بالنية والعمل الصالح والصدق بالوفاء بالعهد وكل ما يمكن أن يشهد لإنسان أنه هو المُـنّعم عند الله والصادق ، ويكفيك منها قوله تعالى قال الله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا}الإنسان 20 ومن مقامهم هو (( النعيم والملك الكبير )) الذي أنعم الله به عليهم بالقطع والبت لا كالوعد والوعيد في باقي سور القرآن ، فإن الله تعالى في وعده للمؤمنين إذا ختمت أعمالهم بخير وعن أيمان ماتوا فلهم يوم القيامة نعيم في الجنة .
وفي هذه السورة وكل الآيات التي سنذكرها في حق أهل البيت عليهم السلام سترى أن الله قد شرفهم بالنعيم وبما أعطاهم على نحو القطع والبت لا على نحو الوعد كما يذكره من المقام لمن يؤمن به ويموت عن أيمان ، وذلك لأنه سبحانه علم صدقهم وإخلاصهم وصفاء نيتهم وحسن عملهم وصلاحه وصدق اعتقادهم وقولهم .
ولذا ترى في الآية السابقة قد ذكر الله على نحو العظمة لنعيم أهل البيت وبصورة تدل على الإعجاب وأسلوب التقدير لهم والتبجيل لكبر ملكهم وأوصاف جميلة نسأل الله أن يلحقنا بهم ويسلك بنا سبيلهم وصراطهم المستقيم .

أهل البيت ثم يبين مقامهم حيث أول آيات السورة هو قوله سبحانه : { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} الإنسان 3، فكل من يريد هداية السبيل وفق الصراط المستقيم ويكون شاكر حقيقي لله ونعمه ، فلابد أن يتبع الذين أنعم الله عليهم في هذه السورة ، فتدبرها تعرف أن أهل البيت هم المنعم عليهم بنعمة كبيرة دون غيرهم ، وكل من ضل عنهم وتركهم ضل وكفر نعمت الله .

ومن اللطف في هذه السورة أولها يبين الله تعالى أن الإنسان عليه أن يختار طريق
ومن الشواهد الأخرى على أن أهل البيت اختصوا بالنعمة والصراط المستقيم أمر سبحانه بحبهم ومودتهم بنحو أخر من الأمر الذي فيه ترغيب وحث على الحب والود والإتباع ، حتى أن المؤمن المنصف يرغب به عن شوق ، بل ويسعى له بكل جهده ليمتثل أمر الله هذا الذي فيه الخير الكثير ، ثم أتباعهم والسير وفق هديهم ، لأن الود والحب لا يكون حقيقي إذا لم يكون عن اتباع والسير في طريق المحبوب وصراطه ، وهذا الأمر بالمودة نعمة من نعم الله على أهل البيت ويرشد الله به عباده للمنعم عليهم وأصحاب صراطه المستقيم أنظر الآية الآتية وتدبرها تعرف أن الحق لهم وفيهم ومعهم قال تعالى :
{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} الشورى 23 في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه أن المودة للقربى واتباعهم حسنة يزيدها الله تعالى ، وكل من سار على طريقهم وصراطهم المستقيم واخذ كل تعاليمه منهم دون غيرهم يكون قد أقترب من الذين أنعم الله عليهم ، ولذا أمر الله تعالى بالاقتراف من ودهم .


ومعنى الاقتراف هو الأخذ بكثرة وعن محبة وشوق واعتقاد وإيمان بفضل المأخوذ وحسن فائدته وبركته ، وهو المرتبة العالية من الحب ، والحب الحقيقي هو الميل إلى الجمال و الانجذاب نحو المحبوب ، والمودة هي قمة الحب مع الانجذاب لأهل البيت وحبهم وإتباعهم امتثال لأمر الله تعالى لما أنعم عليهم وجعلهم أصحاب الصراط المستقيم .
هذا ثم الله تعالى يتابع في الآية الكريمة فيقول بعد البشرى للمؤمنين والذين يعملون الصالحات وبما أمرهم به من مودة قربى الرسول وأهل بيته عليهم السلام ، أن مودتهم وحبهم بجب أن يكون على نحو الاقتراف أي عن حب وشوق واعتقاد بشرفهم وفضلهم، حتى يضاعف الله الحسنة للمؤمنين ويزيدها في قوله في نفس الآية
{ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } .
ثم الله تعالى يختم الآية السابقة بقوله
{ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} فيبين لمن يسلك لهذا الصراط المستقيم الذي لأهل البيت عليهم السلام بود أن الله غفور شكور ، يعني أن الله يغفر لهم ، وهذا معناه أن يسامحهم عن كل ما فات من الغفلة منهم وهذا غاية كل مؤمن أن يسامحه الله ويغفر ذنوبه .
والألطف والأجمل في هذه الآية الكريمة أن المودة لأهل البيت عليهم السلام فضلاً عن زيادة الحسنات وغفران الذنوب أن الله يشكره ، وهذا المقام يطمع به كل مؤمن ، ويسعى له كل محب لله ورسوله ويرغب بخير الدنيا والآخرة يود ويحب أن الله يشكره ، الله يشكره حيث قال تعالى في أخر الآية الكريمة كتعليل لهذا الفعل الجميل والاقتراف لمودة لأهل البيت فضلاً عن الثواب الجزيل المزاد أن الله غفور شكور .
ومن المعلوم أن الأسماء الحسنى في آخر الآيات هي معللة لما قبلها وسبب وعلة لمضمون الآيات الكريمة ، وبهذا يكون قد بين الله المحبة لأهل البيت المنعم عليهم من جميع جوانبها والشكر والحمد والثناء بكل أبعاده وهذا نعيم أصحاب الصراط المستقيم ، وعلى المؤمن سلوكه بالاقتراف منه بالأخذ بكثرة وعن حب ومودة ويسير وفق هديهم بثبات من غير تردد وانحراف .
وهذا النعيم لأهل البيت عليهم السلام تفصيل المجمل في سورة الحمد ، فبين سبحانه أنه انعم على أهل البيت وجعل تعاليمه عندهم وأمر الله المؤمنين بمحبتهم وودهم واتباعهم ، وجعل شكره وحمده بالاقتراب منهم والسير على صراطهم وأخذ تعاليمه منهم وهذه الآية الكريمة فيها شاهد قوي على أنهم هم الصديقون الذي أمر الله أن نكون معهم وهم أصحاب النعيم والشهداء ، طبعاً ولا يراد بقرابة النبي قريش لأنهم كانوا أغلبهم في مكة عند نزول الآية ولم يؤمنوا ولا يعقل بالأمر بمودتهم ، ولا غير أهل البيت تصدق عليه لأنه لا شاهد له غيرهم أن يكون له هذا المقام الرفيع الذي عرفت بعض خصائصه .
فالمؤمنون لما حمدوا الله واستعانوا به على الحقيقة ، وفقهم لمراده وعلمهم صراطه وجعلهم يسيرون عليه وأعطاهم الحسنات وغفر لهم وشكر سعيهم ، وهذا مقام رفيع لمحبي أهل البيت عليهم السلام وهداية عظمى للمؤمنين لا شيء بعدها ، فهي رضا الله والجنة وسعادة الدنيا والآخرة وهو مقام الكون مع الشهداء والصديقين وحسن مع أولائك رفيقا.


ثم التأمل الكافي الآيات التي ستراها هنا والروايات المتواترة التي ستراها في الفصول الآتية الواردة من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المتضمنة لإرجاع الناس في فهم كتاب الله وتعلم ناسخه ومنسوخه ومجمله ومبينه ومطلقه ومقيده ونصه ومتشابهه وكل ما يشكل فهم أو يختلف فهمه بينهم ، بما في ذلك من أصول معارف الدين و فروعها ، فما نذكره هنا من الآيات الكثيرة في حقهم والمبينة لرفيع مقامهم وعلو قدرهم والروايات في حق أهل البيت (عليهم السلام) كحديث الثقلين و حديث السفينة و غيرهما لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم و جعلها أجرا للرسالة إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إليهم فيما كان لهم من المرجعية العلمية والهداية الدينية للصراط المستقيم ولذا قال تعالى في مكان آخر :
{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} سبأ 47 فهذه الآية تبين إن اتباع أهل البيت عليهم السلام فائدته لنا ونفعه عائد إلينا ، حيث الأجر الذي سأله الله تعالى منا هو لنا وخيره عائد إلينا ، وقد عرفت حسنات مزاده وغفران ذنوب وشكر من الله ولا مقام أفضل من هذا ولا سبيل أحسن منه ولا صراط أقوم منه ولا نعمة أعظم منها لنا ولهداة ديننا نبينا محمد ووصيه علي ابن أبي طالب وابنه الحسن والحسين والمعصومين من أولاد الحسين ولا أقرب منهم وقد بينهم الله تعالى في قوله تعالى :
{ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران 61 وهذه آية المباهلة صريحة في أن أهل البيت هم النبي محمد وابنيه الحسن والحسين وابنته فاطمة وزوجها الذي هو نفس النبي الأكرم علي بن أبي طالب عليه السلام باتفاق المسلمين حيث هم الذين جعلهم الله تعالى خلاصة المؤمنين ونفى عنهم الكذب في آخر الآية الكريمة ولو كان يعلم منهم الكذب أو سيكذبون في المستقبل لما باهل بهم ، والله أمر نبيه أن يباهل بهم وجعل الله اللعنة على من يكذب وهذا شاهد صدق على أنهم هم الصديقون وأصحاب الصراط المستقيم المصطفين الذين اختارهم الله واجتباهم من بين جميع المسلمين وجاء بهؤلاء الخمسة المنعم عليهم بكرامة الله ليباهل القوم بهم.
فالكاذب غيرهم وكل معاند لهم ومفارق لصراطهم المستقيم وهو ضال ومغضوب عليه ، وهم عليهم السلام منعم عليهم بهذا المقام الكبير وهم واتباعهم لهم الهدى وهم مهتدون للصراط المستقيم ، وهذا ما نطلبه من الله في اليوم عشر مرات أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وهم الصادقون الذين أمر الله بالكون معهم .
ونفي الكذب عن أهل البيت عليهم السلام كما عرفت في آخر سورة المباهلة السابقة الذكر ، وهذا هو في الحقيقة مقام نعيم من الله تعالى لهم ويشهد لهذا أن الله سبحانه طهرهم بآية ذكرها تعالى في القرآن المجيد بقوله تعالى :
{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} الأحزاب 33 وهذه الآية تبين أن النبي وأهل بيته الكرام الذين عرفتهم والذين هم النبي الأكرم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام والذين دلت عليهم آية المباهلة بل نفس آية التطهير الكريمة .


واللطيف في سورة الأحزاب التي فيها آية التطهير والجميل من بيانها أن الله عندما عاتب نساء النبي الأكرم إذ قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ *****
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}
الأحزاب28ـ34 .
تدبر هذه الآيات الكريمة وأنظر كيف عاتب الله نساء النبي وقرعهن بأسلوب عجيب ويأمرهن بالقيام بالواجبات ويبين لهن أنكن لستن كباقي النساء فإنكن نساء النبي ، وفي أول الآيات بين أنهن لا يجوز لهن أن يطمعن في الزواج من أحد وإذا أردن الزواج فخيرهن بالطلاق ليخرجن من عهدت النبي الأكرم .
وهذه الآيات عندما نزلت سورة الأحزاب وبين الله عتابه لنساء النبي فيها كملت السورة على هذا النحو وختمت بما بينه في باقي السورة .
ثم لما نزلت الآيات الكريم لتطهير أهل البيت استجابتاً لدعاء النبي في حق أصحاب الكساء وهم آهل بيته المكرمون بكرامة التطهير أمر النبي وضع كلمات التطهير التي نزلت بعد ذلك والتي هي قوله تعالى :
{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} في مكان النجوم التي وضعناها إشارة لما سنذكره لا من باب التصرف في القرآن والعياذ بالله .
وقد أمر النبي أن توضع هذه الكلمات الطاهر في موضع النجوم التي قد أشرنا لها في وسط الآيات السابقة ، وذلك لكي يعرف المؤمنون مقام نساء النبي ومقام أهل البيت ، وذلك لأننا نعرف أن الآيات السابقة نزلت قبل فترة ليس فيها تطهير ، ثم وفق حديث الكساء والذي جمع الله النبي الأكرم أهل بيته الحسن والحسين وعلي وابنته فاطمة عليهم الصلاة والسلام تحت الكساء ودعا الله أن يطهرهم نزلت آية التطهير وأمر النبي المسلمين أن يضعوها مع الآيات السابقة .


وتتمم بها مكان ما أشرنا إليه من مكان النجوم في الآيات السابقة الذكر ، وذلك لكي يبين الله سبحانه بأن أهل البيت لهم مقامهم الشامخ المنيف والقدر العالي الرفيع ، ولا يحق لأحد الخروج عليهم وشق الطاعة عنهم والتمرد على أعمالهم حتى ولو كُنَّ نساء النبي والذين لهن مقام أمهات المؤمنين ، بل عليهن وعلى جميع المؤمنين مهما كان مقامهم أن يقيموا الصلاة ويأتوا الزكاة ويطيعون المطهرون في معرفة تعاليم الله تعالى ويسيرون وفق تعاليم المنعم عليهم ويسلكون صراطهم المستقيم لأنهم مطهرون كالقرآن كما سترى .
ولذا لا تكون طاعة الله إلا وفق تعاليم مأخوذة من المطهرون الذين لا يكذبون ، وهم النبي وبعده الأئمة من ذريته وآله الكرام وأهل بيته الطيبون الطاهرون ، ولا يحق لأحد عنادهم والخروج عليهم سواء من نساء النبي أو غير نساء النبي .
وهذه نعمة كبيرة للنبي وأهل بيته وآله الأطهار صلاة الله وسلامه عليهم ، وفيها بيان الهداية للصراط المستقيم للذين أنعم الله عليهم ، كما فيها بيان لصدقهم وتصديقهم وشهادتهم بالحق في الدنيا والآخرة ولا يجوز تكذيبهم والرد عليهم وعنادهم والانحراف عنهم ، وقد عرفت أن التقريع والوعد والوعيد لنساء النبي ، وأن التطهير عن نحو القطع والبت وهو لأهل البيت وأصحاب الكساء ، ولا يناسب القطع والبت في التطهير الوعد والوعيد ، فضلاً عن كون أن آية التطهير نزلت بعد التقريع والوعد والوعيد لنساء النبي وهي بضمائر التذكير وآيات نساء النبي بضمائر نون النسوة .
ولذا سبحانه وتعالى أورث أهل بيت النبي وهم علي وفاطمة والحسن والحسين الكتاب بعد أن اصطفاهم فقال سبحانه :
{ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} فاطر 32 .
وواضح وبين أن أهل محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام هم الذين أورثوا الكتاب ، وهم عباد الله الذين أصطفى من قسم السابق بالخيرات من فضل الله وكرامته ، قد عرفت أن لهم نعيم كبير وأمر الله بمودتهم ونفى عنهم الكذب بآية المباهلة السابقة وطهرهم بآية التطهير ، وهذا هو الاصطفاء ووراثة الكتاب ومن عنده القرآن وراثة فلابد أن يكون عندهم ولهم الصراط المستقيم ولذي نسأل الله أن يهدينا إليه في اليوم عشر مرات .


ففي الحقيقة أهل البيت هم القرآن الناطق وهم السابقون بالخيرات ولهم الفضل الكبير والنعيم والصراط المستقيم ، والعارف بهم والتابع للإمام في زمانه والذي يأخذ تعاليمه منه مقتصد قد لحق بهم ، والمفارق لهم ظالم لنفسه وقد ورث الكتاب فهجره وظلم نفسه بترك إمام زمانه لعدم أخذ تعاليم الله الحقيقة منه .
وذلك لأن القرآن الكريم طاهر ولا يمسه إلا المطهرون ولا فرق بين اللفظ والمعنى ، فالتفسير والبيان الحقيقي لتعاليمه وأحكامه التي لم تفصل أو اختلف في تفصيلها والمجملة والمتشابهة والمقيدة والمنسوخة والمطلوب بيانها وما يخص العقائد بخصوصياتها والأحكام بتفريعاتها وكيفية مفصلها ، لابد له من الرجوع لإنسان طاهر ولا يكذب ليبينها له ويعرفها لجنابه على الحق والحقيقة ، وهذا كما عرفت مختص بأهل البيت عليهم السلام تشهد له آية التطهير كما تشهد له الآيات السابقة واذكر لجنابكم آيات تقرن أهل البيت بالقرآن فتدبرها قال تعالى :
{ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ* تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الواقعة 80 هذا في حق القرآن الكريم وفي حق آهل البيت وآل النبي الأكرم عرفت قوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} الأحزاب 33 فالمطهر هو الذي يمس القرآن الطاهر ببيانه وتفسيره وشرحه وهو الراسخ في علمه والذي عنده علم الكتاب وتعاليم الله الحقيقية هو صاحب الصراط المستقيم المنعم عليه الذي نطلب من الله أن يهدينا إليه والصادق المأمورين بالكون معه .
ومن لطيف البيان تبيان القرآن في بيان أن أهل البيت عليهم السلام ضمن ثلاث آيات تبين أن أهل البيت هم أهل الذكر أنضر الآيات الكريمة التالية قال تعالى :
{ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} آل عمران 58
{ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ} الطلاق10ـ11
{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الأنبياء 7
ففي الآية الأولى يبين الله أن القرآن ذكر ، وفي الآية الثانية يبين أن الرسول ذكر من الله وعنده الذكر وهو يتلوه ويعلمه ، والآية الثالثة تطلب بالرجوع لأهل الذكر وهم آل البيت الطيبين الطاهرين بعد النبي عندما يشكل شيء علينا أو نختلف فيه من تعاليمه ، وقد عرفت أن الله طهره أهل البيت وآهل الذكر وطهر كتابه الكريم وقرن بين القرآن وبينهم عليهم السلام .
ومن جمال البيان ولطيف المعنى هو أنه سبحانه بين لما نزّل الذكر وهو القرآن الكريم قد حافظ عليه ولا يعقل القول أنه تعالى حافظ عليه باللفظ دون المعنى ، بل لابد أن يحافظ عليه بالمعنى والبيان ولا يجعل كل واحد يفسر برأيه فلذا قال تعالى :
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر 9 والحفاظ بالمعنى والبيان والتفسير والشرح أولى من اللفظ فضلاً عن المساواة أو يكون دونه ، إذ ما فائدة وجود ألفاظ القرآن ويفسرها كاذب وغير مطهر وغير خالي من الشك والشبة واحتمال التفسير بالرأي وبالقياس والاستحسان والمصالح وهوى سلطان ظالم .
وهذا المحافظ على القرآن الكريم لابد أن يكون من أهل الذكر طاهر لا يكذب مأمور الناس بمودته وحبه وسلوك صراطه المستقيم والاهتداء بهداه وتعاليمه المبينة لتعاليم الله الحقيقة ، وهؤلاء نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين عليهم الصلاة والسلام بعد النبي الأكرم ، وهم المحافظون على القرآن في شرحه وبيان تعاليمه ومعارفه الحقيقية ، وكل من يعاندهم ضال مغضوب عليه ليس صراطه مستقيم بل يهوى بمتبعه بالنار ، ومتبع أهل البيت يسلك به لرضا الله والجنة .
ومن جمال المعنى والبيان للقرآن أن قد بين سبب اختلاف الناس في الأديان السابقة أنظر قوله تعالى :
{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } البقرة213ـ 214 .
فقد بين سبحانه وتعالى في هذه الآيات سبب اختلاف الناس في الأمم السابقة وأنه بعدما جاءهم علم الكتاب أخذ كل منهم يفسر كتاب الله المنزل عليهم برئيه وبالقياس والاستحسان ، وبغى على أنبياء أممهم وأوصيائهم والأئمة المنصوبين من قبله تعالى لتعليم الناس الحق من معارفه وأحكامه وكيفية عبوديته سبحانه ، ثم بين الله سبحانه وتعالى في الآية الثانية بعدها أن المسلمين سوف يختلفون ويبغون على أئمة الحق ولا يتبعوهم في أخذ تعاليم الله الحقيقة منهم .
فبالحقيقة نص الآية يبين سبب الاختلاف في الأديان السابقة وعند المسلمين ، ومفهومها وفحوا خطابها يبين أن الذين يعلمون الحق والمنعم عليهم وأصحاب الصراط المستقيم ويجب على المؤمنين الذين يعملون الصالحات ودهم وأخذ تعالم الله الحقيقة منهم ، لأنهم الأئمة الحقيقيين المختارون المصطفون والسابقون في علم الله ولهم النعيم والخيرات ، ومثلها قوله تعالى :
{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} آل عمران 7 والراسخون في العلم يجب أن يكونوا مطهرون من الشك والشبة ومنفي عنهم الكذب ومصطفون من قبل الله لهم نعيم وملك كبير ، وهم أصحاب الصراط المستقيم ، وهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الذين يجب الرجوع لهم في أخذ تعاليم الله منهم ، وقد أمرنا الله أن نتعرف عليهم ونسأل الله في كل يوم عشر مرات أن يهدينا لصراطهم المستقيم .
وفي الحقيقة القرآن أحسن الحديث ولا يمسه بالبيان الحقيقي والشرح والتفسير وفق مراد الله تعالى وبالخصوص عندما يختلف الناس فيه إلا أن يكونون أحسن الناس ومن المطهرون والمنعم عليهم ، وقد عرفت نعيمهم وطهارتهم ونفي الكذب عنهم ووجوب مودتهم ، ولجنابك بيان أن نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين أحسن الناس فالله تعالى قال :
{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } الزمر 23 وهذا في حق القرآن الكريم ، وفي بيان أن أحسن الناس هم الخلاصة وصفوتهم الذين ينجحون في كل الاختبارات الإلهية وفي جميع مراتبها ، إذ ما دام الإنسان مؤمن فهو في اختبار دائم وأحسنهم وأنجحهم وأفضلهم ، وهو الذي يختص بكلام الله تعالى وبيانه وشرحه وتفسيره أنظر قوله تعالى :
{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك 2 فالله تعالى خلق الوجود وخلاصته الإنسان ، وخلاصة الإنسان الإنسان المؤمن وخلاصة المؤمنين هو الذي ينجح في جميع امتحانات الله واختباراته وهو أحسنهم وأفضلهم ، فيكون في زمان الإسلام قرين القرآن الكريم وهو الناطق به ومعلمه وهادي الناس له وهو الصراط المستقيم والهادي له ، وقد عرفت أن أصحاب الصراط المستقيم المنعم عليهم هم نبينا محمد وآله الأطهار وهم المطهرون وهم أحسن الناس .


والاختبار الإلهي مستمر في الوجود لجميع الناس حتى المؤمنين أنظر قوله تعالى :
{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}(العنكبوت/2).
وعلى هذا يستمر الاختبار حتى في المؤمنين حتى يخلص منهم أحسنهم وأكملهم وأشرفهم وأتقاهم وأخلصهم لله ، فيختاره الله بأفضل نعمه ليهدي الناس للصراط المستقيم من تعاليمه ومعارفه الحقة وهو مقام الإمامة أو النبوة ، قال تعالى :
{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} هود 7 ، فإذ تأكد لك المعنى الشريف وعرفت أن أحسن الناس الناجح في الابتلاء الإلهي والاختبار ويفوز ويخلص لله من جميع أنواع الابتلاء والفتن والمصائب التي تصيبه بنجاح تام ، هو الذي يختص بنعم الله ويتشرف بإمامة الناس للسير بهم على الصراط المستقيم وهو المنعم عليه بالفوز والهداية فيكون هادي ومهدي بفضل الله تعالى فأنظر قوله تعالى :
{ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة 124 فهذا أبو الأنبياء والأئمة الذي جعل الإمامة والولاية والهداية في صلبه ، لم يحصل أبو الأنبياء والأئمة نبي الله إبراهيم على هذا المقام من الإمامة إلا بعد نجاحه في الابتلاء ، وكان أحسن الناس عمل وذات ووجود واعتقاد وصفة إذ أتم ما عليه من الاختبار والامتحان الإلهي بأكمل وأتم وأنجح ما يمكن في زمانه ، جعله الله تعالى بعد النجاح في الابتلاء إمام للناس ومبين لتعاليمه ومعارفه سبحانه تعالى .
ومن اللطف في البيان والجمال في المعنى لبيان رفعة مقام الإمامة وعلو شأنه أن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام لما نال مقام الإمامة بعد مقام النبوة والرسالة والخلة حب هذا المقام واستلطفه وطلب من الله تعالى أن يجعله لذريته ويجعل الإمامة وهداية الناس للصراط المستقيم في أبنائه عليه السلام ، وهي نعمة من أحسن نعم الله تعالى ، والله سبحانه قد أجاب نبيه وخليله والمصطفى على الناس والنبي المرسل والخليل الإمام وقبل دعائه ولكن لا على الإطلاق ولم يجعل الإمامة لكل ولده ، بل خصص بعضهم بها وشرف المختار المصطفى من ذريته والذي ينجح في كل الاختبارات والفتن مثل ما اختبره الله .
نعم طلب النبي إبراهيم الإمام لذريته للمؤمن منهم طول عمرهم ولم يعصوا الله طرفة عين ولمن عصى في أوائل عمره ثم تاب وهذان قسمان ، وغير معقول أن يطلب الإمامة للعاصي من أبناءه ، ولا حتى للمؤمن في أول عمره ثم يعصي في أخره .
والله تعالى حتى هذا خصصه وقال وخصص الإمامة لقسم واحد من ذرية إبراهيم عليه السلام فقط دون غيرهم ، واختصت الإمامة بمن كان من ذريته ولم يعصي الله طرفة عين والمؤمن طول عمره ، وأما العاصي أول عمره التائب آخر عمره كذلك لا يستحق الإمامة لأنه ظالم ولا ينال عهد الله ، وهذا يدل على أن المطهرون من ذرية إبراهيم عليهم السلام المنفي عنهم الكذب والظلم هم المنعم عليهم وهم الأئمة .
وهذا يدل على أن نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين هم المنعم عليهم والأئمة وأصحاب الصراط المستقيم الذي نفى عنهم الكذب وأمر بودهم وهم الأئمة والذي نطلب من الله تعالى أن يهدينا إليه وإليهم في اليوم عشر مرات في الصلاة عند قراءة الفاتحة فيها.
إذ من المعلوم لم يطهر أحد من المؤمنين في زمان نبينا على نحو القطع إلا أهل البيت وهم النبي الأكرم والإمام علي والحسن والحسين وفاطمة الزهراء ، ويشهد لهذا أن الله نفى الإمامة عن الظالمين ، والمعروف أن جميع المسلمين الذين كانوا بمكة وهاجروا قد سجدوا لصنم وهذا شرك أو كفر وهما معدودان من الظلم وقال الله تعالى :
{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان 13 وكل أصحاب النبي قبل الإسلام سجدوا لصنم إلا الإمام علي عليه السلام ، وهو وأبنائه وفاطمة المطهرون من الظلم والكذب والشرك وكل ما يبعدهم عن مقام الإمامة .
فلذا ترى أهل البيت هم المختصون بالإمامة والهداية للصراط المستقيم ، وأن الإمامة هي من نعيم الله وأخر مراتب الولاية للذين ينجحون في الابتلاء والاختبار الإلهي وهم أحسن الناس عمل وأطهرهم وجوداً ولذا قال الله تعالى :
{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة 24 وقد عرفت أن النجاح في الاختبار الإلهي هو الذي يهيئ احسن الناس وأطهرهم ليقودهم للصراط المستقيم ويهدوهم إليه ، وقد عرفت أن أهل البيت ونبينا محمد وآله هم الذين يصدق عليهم دعاء نبي الله إبراهيم وهم المجاب في حقهم دعوته دون غيرهم ، وهم الصابرون الذين تحملوا المشاق والمصائب في سبيل دين الله ونشره وتعليمه .


فقال نبينا محمد ما أوذي نبي مثل ما أوذيت وأوذيت أبنته فاطمة وحورب بعد أن جبر على البيعة الإمام علي وسم الحسن وقتل الحسين وسبي أهله ولم يثنيهم شيء عن نشر تعاليم الله والدعوة لدينه لا هم ولا أبنائهم .
وهذا مقام الإمامة من الله لنبينا محمد وآله الأطهار لما صبروا فقد جعلهم يهدون للصراط المستقيم بأمر الله تعالى ، وأمر الله يأتي به ملك أسمه الروح : وهو ملك مخصوص بتسديد الأنبياء والأوصياء والأئمة وهداة الدين على طول الزمان وهو جبرائيل أو ملك أعظم منه من الكروبيين أنظر قول الله تعالى :
{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة 24
وقال تعالى :
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } الأنبياء 73
وهذه الآيات ليس مختصة بالأمم السابقة فالقول أمر الله ذلك القضاء الإلهي لهداة الدين أن يهدوا وفق أمره وتعينه بفعل أمر الروح من الملائكة وجعله على طول الزمان مسدد الأنبياء والأوصياء على طول الزمان حتى شمل زماننا .
{ يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِي}(النحل/2). { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ(193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ} الشعراء 194 . { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ } غافر 15 . { تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} المعارج 4 .
نعم الروح موكل بأمر الله في الأمم في كل زمان من زمان الأنبياء السابقين أو الأئمة من الرسل ونبينا محمد وعلي ابن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين والأئمة المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام ، حتى شمل أمام عصرنا الحجة بن الحسن العسكر عجل الله فرجه الشريف ، وهم يدعون أن الروح مختص بهم يسددهم ولم يوجد أحدهم أدعى ذلك أو يمكنه أن يدعيه ، وإذا كان مسلم نزوله واستمراره في كل عصر فهو لابد أن يكون مختص بهم ، أنظر قول الله تعالى تعرف أن الأئمة يهدون بأمر الله لما يسددهم به الروح على طول الزمان ، قال الله تعالى :
{ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *
{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
{ تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر
{ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }
وهذه السورة المؤكد قرأتها مع سورة الحمد في الركعة الأولى ، كما أن يستحب قراءة سورة التوحيد مع الحمد في الركعة الثانية ، وهي لتبين السلوك في الصراط المستقيم الذي بينه وشرحه المنعم عليهم والموصل لحقيقة العبودية الله وتوحيده سبحانه وتعالى ، والتي تتحصل بتوسط الصراط المستقيم والذي يهدي إليه الأئمة من أل محمد صلاة الله وسلامه عليهم إلى الله تعالى لنصل لحقيقة عبودية كما أراد عن طريق الصادقين المطهرون المسددون بأمر الله بتوسط الروح الكريم الذي يوصله للأئمة .
وتوضيح دليلها على أن لكل زمان لابد من وجود معصوم وذلك لكون أن الدين الإسلامي أهم من الأديان السابقة وتعاليمه أرقى وأعلا وأشرف وهي قمة تعاليم الله تعالى التي تهدي الإنسان بالهداية التشريعية ، فإذا كان في الأمم السابقة أئمة يهدون بأمر الله فلإسلام أهم ولابد فيه أئمة يهدون بأمر الله مسددون يبينون أحكامه على وفق ما أنزلت على خاتم أنبياءه .
تدبر سورة القدر وتدبر فيها عند قوله تعالى :
{ تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} القدر4
فإذا كان في ليلة القدر تنزل الملائكة على كل الناس في كل سنة وليلة القدر مستمرة إلى يوم القيامة ، وقد أمر المسلمون بمراقبتها والتصدي لها لينالوا الخير فيها والبركات الإلهية والثواب العظيم الذي يساوي ثواب ألف شهر ، فالروح هو المهم وهو كذلك ينزل في هذه الليلة الشريفة بإذن الله وهو ينزل على الإمام ، فإذ كانت تنزل الملائكة على سائر المسلمين تتحفهم بهدايا الله وتسدد لهم نصيبهم ، فالروح مختص بالنبي وهداة الأمم والأئمة ، وهو كان ينزل على نبينا وبعده يتنزل على الأئمة من ذريته والمنعم عليهم وأصحاب الصراط المستقيم الذي نسأل الله في كل يوم أن يهدينا إليه إلى يوم القيامة وصاحبه الآن هو أمامنا الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف .

ومن الجمال واللطف الإلهي في هذه السورة أنه قد حُسب ملك بني أمية فكان ألف شهر ، وملك النبي إلى يوم القيامة بالهداية والولاية والإمامة في ذريته من الأئمة المعصومون أصحاب الصراط المستقيم المنعم عليهم في الدنيا والآخرة الذي يتنزل عليهم الروح بأمر الله ، ولذا قال الله تعالى : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } القدر 3 فالروح الذي ينزل بالمقدر على النبي وآله في كل سنه بأمر الله تعالى ، فهو يبقى معهم يخبرهم بأمر الله وصلاح الدين وما يجب عمله ليصل المؤمنون المقتدون بهم لحقيقة العبودية لله تعالى وخالص تعاليمه التي توصلهم لسعادة الدنيا والآخرة .
ويشهد لما ذكرنا أن النبي وذريته الأئمة المعصومون عليهم السلام هم الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ويلحق بهم محبيهم الذين يقترفون الحسنات بودهم ويزيدهم الله الثواب والحسنات ويغفر ذنوبهم ويشكر سعيهم لسلوكهم الصراط المستقيم الذي مهده لهم أئمتهم أئمة الحق على طول الزمان إلى يوم القيامة ، فهم في الدنيا على يقين من أيمانهم وفي الآخرة لهم نعيم مقيم وملك كبير كأمتهم ، فهم مع نبينا محمد وآله الطبيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .
وأما أعدائهم بني أمية فهم الشجرة الخبيثة ـ والملعونة ـ التي اجتثت من فوق الأرض فما لها من قرار واتباعهم والذين يحبونهم ويودونهم يلتحقون بهم في الدنيا في الضلال والانحراف عن تعاليم الحق ، وفي الآخرة يكونون من المغضوب عليهم ولهم الهوان والذل في نار جهنم خالدين فيها ، ولهم العذاب المقيم وخسروا الدنيا والآخرة وأن تمتعوا في الظاهر قليلا .
أنظر قوله تعالى :
{ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ *
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ *
أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}
إبراهيم 29 .
فالشجرة الطيبة النبي وآله وهم كلمة الله الطيبة كما كان المسيح كلمة الله تعالى كما قال سبحانه :
{ إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ} آل عمران 46
والمصداق للكلمة الطيبة رسول الله وآله الطيبين الطاهرين وهم شجرة طيبة ويريد الله التمثيل لحقيقة في المثل الذي ضربه الله لنبيه وأهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويبين فيه بركاتهم وثبات دينهم ومعارفهم الحقة الموصله لرضا الله وصراطه المستقيم الذي يؤتي خيره وهداه للمؤمنين في كل حين ، فيبين لهم معارف الله وتعاليمه بالحق وكل من تمسك بهذه الكلمة الطيبة والشجرة النبوية الخالدة الطيبة الكريمة التي تصعد في السماء بالمتمسكين بها والسائرين على صراطها المستقيم كما قال تعالى :
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } فاطر 10
وما أجمال ما قال الشاعر في هذا المجال :

يا حبذا دوحة في الخلـــد نابـتـــة ــــ ما في الجنان لها شبه من الشجر
المصطفي أصلها والفـرع فـاطمة ــــ ثـــم اللــقــاح عـلـي ســيد البشر
والهـاشـمـيـان ســبطـاها لها ثمـر ــــ والشـيــعة الورق الملـتف بالثمر
هـذا مقال رسول الله جاء بـه أهل ــــ الروايات في العالــي مـن الخبر
إني بحبهم أرجو النجاة غدا والفوز ــــ مـع زمــرة مــن أحســن الزمر


كما أن أعداء المنعم عليهم والذين هم كلمة خبيثة وشجرة خبيثة أجتث من فوق الأرض وما لها من قرار وهم الشجرة الملعونة في القرآن قال تعالى :
{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} الإسراء 60
وروي العامة والخاصة أنه قد رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات ، ولهذا قال الله تعالى في أخر الآيات السابقة الذين بدلوا نعمة الله كفراً فبين اتباع الباطل الضالين الظالمين لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأحلوا اتباعهم وقومهم دار البوار التي هي جهنم نتيجة لأتباعهم الضالين المظلين الظالمين للحق وأتباعه .
كما بين الله تعالى أصحاب الشجرة الطيبة الثابتين على الحق في الدنيا والآخرة وبين عملهم وهداهم في الشجرة الطيبة وكلامهم الطيب ، مثل ذلك مثل أخر في حق نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وبين نعمه عليهم صلاة الله وسلامه حيث بين سبحانه أن رسول الله وآله الطيبين الطاهرين هم نور الله أنظر قوله تعالى :
{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
والله هذه الآيات والآيات السابقة فيها من البيان اللطيف والشرح الجميل الذي يفوق حد الوصف فترى الله تعالى أنه نور السماوات والأرض ثم يبين سبحانه وتعالى كيف جعل نوره يسري في الوجود على نحو التكون والتشريع وتنزله وهدايته لمن يمن يقبل سيران نوره فيه ، فجعل نوره سبحانه في شجرة النبوة لتضيء بمصباحها الموجود في زجاجة أهل البيت والتي هي تضيء ولو لم يمسسها نار نور على نور وأمام بعد أمام من أهل البيت عليهم السلام ، والله يهدي لنوره من شاء من عباده الهداية لصراطه المستقيم للمنعم عليهم .
ولذا سبحانه وتعالى أكمل الآيات في أن هذا نور من البيوت المرفوعة لأهل البيت عليهم السلام بنص النبي الأكرم أنه بيت فاطمة ، فأكرم وفضل سبحانه أهل البيت برفع قدراهم ومقامهم ، وهم يذكرون الله ويسبحوه ويقدسوه ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى وهذا نعيم الله ورزقه وفضله لهم قال تعالى :
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ *
{ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ *
{ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
مع الآيات السابقة من سورة النور35ـ38 .
وهذا الاستمرار لتسبيحهم لله تعالى في الغدو والآصال والصلاة والزكاة منهم تذكرنا بسور الدهر ( الإنسان ) ومقامات أهل البيت فيها ووصفهم بالخوف من يوم شره مستطيرا وبينا أن النعيم والملك الكبير لهم في تلك السورة ، وفي هذه الآيات بين سبحان أن رزق الله لهم بغير حساب .
وفي الحقيقة رزقهم النعيم فجعلهم أهل النور وهو الهدى للصراط المستقيم ينبع منه تعالي ويشع من البيوت المرفوعة لأهل البيت على المؤمنون الذين يودونهم ويتبعون صراطهم المستقيم ويسألون الله صادقين لأن يهديهم له في كل يوم عشر مرات في الصلاة ويتبعونهم ويلحقون بهم .

ثم أنظر الآيات بعدها حيث تبين ظلمت الضلال وسراب الكفر والمبتعدين عن نور الله سبحانه وتعالى ويضرب الله تعالى أمثال أخرى ثم تأتي الآيات بعدها بيّن فيها سبحانه أن هذه الأمثال والآيات تبين الطرق الحق والصراط المستقيم ونه من يطلبه حقيقة يصل إليه ، ولولا التطويل لذكرته كلها .
فإذا عرفت المقامات العالية لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعزيزهم ورفع قدرهم ولأمر بمودتهم ورفع بيوتهم وجعل نوره الذي هو الهدى يشع منهم ، فهذا دليل على رضا الله سبحانه وتعالى عنهم وعن كل ما يقومون فيه من نشر تعاليمه وبيانها ، وهذا هو في الحقيقة منصب المنعم عليهم والصديقين والشهداء وهو مقام الإمامة والخلافة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أكرمهم الله سبحانه وتعالى بكل كرامة حتى قال الله سبحانه لحبيب قلوبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} الضحى5 ، 11 والله في هذه الآية بل سورة الضحى بكاملها تجعلنا أن نصدق كل كرامة ومنقبة وفضيلة تذكر في حق النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، بل وحتى منه مقام التطهير الذي نزل بدعاء النبي لأصحاب الكساء وآهل بيته وهم الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين في نص العامة والخاصة وكل المفسرين والمحدثين أنها نزلة لدعاء النبي الأكرم ، وحتى أجر الرسالة والمودة الذي عرفته نزل لحب الرسول ولما أكرمه الله بأن سيعطيه في الدنيا والآخرة حتى يرضى في كل شيء وبالخصوص في مقام الإمامة والهداية والنعيم والغنى وكل شي كأجر لرسالته فرفعه ورفع آله الطيبين الطاهرين فجعلهم أئمة وسادات الأمم وأولي النعيم الصديقون الأطهار ، وشاهد ما ذكرنا بالإضافة لما عرفت ، بل هذا دليل كامل لما ذكرنا في أن الله تعالى ألحق آل النبي وآل بيته الأطهار به أنظر قوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} الطور 21 فإذا كان مقام النبوة قد ختمه الله سبحانه وتعالى ، فلابد أن يجعلهم أئمة يهدون بأمر الله تعالى ، وهو وإلحاق آل النبي الأكرم وذريته وأهل بيته به ، وهذا المقام مختص به وبأهل بيته عليهم السلام وهو من أول رضى الرسول الأكرم وطلبه أن يعطيه الله المقام المحمود ويجعل ذريته معه .
كما أن الرسول الأكرم أولى بالدعاء بمضمون الآية الكريمة السابقة ، وبمضمون الآيات الآتية وهو معلم والعامل بكل ما أمر به ، وهذه آيات شرفه الله بها تطالبه أن يطلب الإمامة لذرية ، وأن النبي إبراهيم طلب الإمامة لذريته والنبي يحيى بل كل نبي ، والله تعالى لم يأمرهم بالمطالبة بالإمامة لذرياتهم وطلبوها ، والله يُعلم النبي طلب الإمامة لذريته لكون الإمامة مقام شرف ومنصب إلهي عالي طلبه ، والنبي الأكرم وهو سيد الرسل وأشرف وأولى بالعمل بطلب الإمامة لذريته مع المطالبة الله له وتعليمه وهو العامل بما يطلب من الناس وهو أولى بطلب الإمامة لذريته أنظر قوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا *
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}
الفرقان74،77 .
والله في هذه الآيات يأمر الناس بطلب الإمامة لهم ولذرياتهم والنبي أولى بها ، وكأنها آية خصت به وإن شمل خطابها ، فحق على النبي أن يدعوا الله تعالى بمضمونها ، وعليه أن يدعوه لأن يجعله للمتقين أمام هو وذريته تدبرها ، قد عرفت في سورة المباهلة أن الله جعل فاطمة الزهراء عليها السلام تقوم مقام زوجاته وجعل ذريتها ذريته وهم الحسن والحسن أبناءه وزوجها علي بن أبي طالب نفسه الكريمة صلاة الله وسلامه عليهم ، واستجاب الله دعاءه بالتطهير وهنا من المقام الذي سيعطيك ربك فترضى وأفضلها وأتمها ، ودعاءه وجعل الإمامة في ذرية وآل بيته صلاة الله وسلام عليهم ولا يمكن الشك به وقول أن النبي يأمر بشيء لم يعمله وبالخصوص هذا الأمر المهم .
ثم أن الله جعل الإمامة والنبوة وخصها على طول التاريخ في ذرية الأنبياء كرامة لهم ، ولا يشذ ولا يتخلف عن هذه السنة الإلهية ذرية نبينا الأكرم وهو سيد الأنبياء وأشرفهم ، وقد قال الله تعالى :
{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} آل عمران33ـ34 وبعدها تبين جعل النبوة تستمر من صلب الأنبياء السابقين حتى تصل الآيات في هذه السورة وصف عيسى عليه السلام ثم يأتي دور ذرية النبي الأكرم في سورة المباهلة الشريفة : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران 61 وهذا استمرار للآيات من آية 33 حتى 61 من سورة عمران لبيان مقام فارد واحد وهو مقام اصطفاء الأنبياء والأوصياء من بعض حتى جاء دور نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين عليهم صلاة الله وسلامه أجمعين .

وهذا بالإضافة لدعاء النبي الأكرم وبالإضافة لسُنة الإلحاق هنا سنن الرحم التي يقدرها الله ويعززها حيث قال تعالى :
{ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الأنفال 75 فأي رحم أولى برسول الله وخاتم رسله من ابنته فاطمة وسبطيه الحسن والحسين وأخيه وابن عمه علي بن أبي طالب ، والذين أمر بودهم وقد طهرهم الله ونفى عنهم الكذب واصطفاهم وجعلهم أئمة وأعطاهم الولاية على المؤمنين وجعلهم الهداة لصراطه المستقيم وخصهم بنعمه سبحانه وتعالى ، فالله تعالى جعل النبي أولى من المؤمنين بهم من أنفسهم على أنفسهم أنظر أيضاً قوله تعالى :
{ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } الأحزاب 6 والمعروف أن الولاية بين الناس بالنسب بالرحم ، والسبب والولاية الدينية والزواج ، وقدر عرفنا رحم النبي متعلق بابنته فاطمة والحسن والحسين وعلي أبن أبي طالب هم المختصون بالكرامة الإلهية والإمامة ، وهم كالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أمور دينهم ودنياهم و فيه ، أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و النسائي عن بريدة قال: غزوت مع على اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تغير و قال: يا بريدة أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ، وسيأتي بيان ولاية الإمام علي عليه السلام والآيات النازلة في شأنه في الفصول الآتي عند بينان آية الولاية في حقه وقد عرفت أنه نفس النبي الأكرم في آية المباهلة في قوله تعالى وأنفسنا وأنفسكم .
فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم بأنفسهم ، و معنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه و بين ما هو أولى منه ، ويجب على المؤمن أن يقدم النبي الأكرم على نفسه بالمحبة والمودة والتكريم والحفظ ويرجح جانب النبي وكذا آله على نفسه .
وقوله تعالى :
{ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ }جعل تشريعي أي أنهن منهم بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن و حرمة نكاحهن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا *
{ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا *
{ لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}
الأحزاب53ـ55 .
وهو تنزيل تشريعي لتكريم لزوجات النبي وتقريع لمن قال إذا مات النبي أتزوج واحدة منهن وتأنيب لهه وتحذير له ولهن وهذا التنزيل وأن كان تكريم للنبي لكي لا يؤذيه المنافقون لكن لا بدعائه كأية التطهير ولا في منزلة مودة القربى الرحمية ، فتنزيل أزواج النبي مقام الأمهات إنما هو تنزيل في بعض آثار الأمومة كعدم جواز الزواج منهن لا في جميع آثار الأمومة فلا توارث بينهن و بين المؤمنين و ولا يجوز النظر لهن في ما حرم الله من النظر للأجنبية ولا يجوز تقبيل رأسهن كالأم أو يدهن ولا حتى لمسهن ، ولا حرمة بناتهن على المؤمنين إذ لم يصيرن أخوات لهم ولا هم أبناء على الحقيقة لهن ، فلم يصر أبناء زوجات النبي آبائهن و أمهاتهن أجدادا و جدات و لا أخوتهن و أخواتهن أخوالا و خالات للمؤمنين كما تمسك به بعضهم ، ولو خرجن من عهدة النبي يخرجن من الأمومة للمؤمنين وينقطع السبب بينهن وبين النبي .


ولكن هذه الآية الشريفة السابقة
{ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } رحم النبي أولى فالرحم بين النبي وذريته لم ينقطع إذ النسب بالرحم وهو مأخوذ من الأرحام جمع رحم و هي العضو الذي يحمل النطفة حتى تصير جنينا فيتولد، و إذ كانت القرابة النسبية لازمة الانتهاء إلى رحم واحدة عبر عن القرابة بالرحم فسمي ذوو القرابة أولي الأرحام ، فخص الله تعالى النبي الأكرم بكل كرامة في ذريته ونسبه فجعل فيهم الإمامة والولاية ، وجعلهم هداة لدينه بعده وأنعم عليهم فجعلهم أصحاب الصراط المستقيم وطالبنا أن سأل الله للاهتداء إليه في اليوم عشر مرات لأنه أولى بهم وهم أولى به وهو منهم وهم منه .
هذا من جانب المعنى والروح والتعليم وقبول أعمالهم ، ثم الله تعالى مكنهم من الناحية الإدارية والاقتصادية فجعل أيدي أهل البيت عليهم الصلاة والسلام مطلقة في التصرف في كل ما يساعدهم الإدارة المسلمين من الناحية المالية ، بل شملت الآيات كل ذرية نبينا محمد صلى الله عليه وأله وسلم .
ولك يا حبيبي المؤمن شيء من تمكن الأئمة من آل محمد صلاة الله عليهم وسلم أصحاب الصراط المستقيم الصديقون المنعم عليهم بنعم الله كما عرفت قسم منه ، وإليك نعمة الله المالية عليهم من الخمس وفق آي القرآن قال تعالى :
{ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} الإسراء 26 ولهذه الآية الكريمة أعطى رسول الله فدك لفاطمة الزهراء منحة طيبة أقرأ قصة فدك وغصبها في الكتب المؤلفة في هذا الموضوع ، وجعل الله ما أفاء الله له وللرسول وقرباه مما لم يفتح عنوة بل جلى وتنحى عنه أهله وتركوه ، أنظر الآيات التالية قال تعالى :
{ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر 7
والأكثر من هذا جعل الله الأنفال لله وللرسول يتصرف فيها الإمام الحق في نشر تعاليمه هو وقرباه على نحو الفرض الواجب فلا يحتاجون لما في أيدي الناس وحرم عليهم الزكاة والصدقة وجعلهم يمتازون بالكرامة على جميع المسلمين وينبه الناس لمكانتهم عنده ومقامهم الرفيع بالإضافة لما سبق أنظر قوله تعالى :
{ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}(الأنفال/1).
وأعلم يا طيب أن الأنفال جمع نفل بالفتح ، و هو الزيادة على الشيء ، و لذا يطلق النفل و النافلة على التطوع لزيادته على الفريضة ، و تطلق الأنفال على ما يسمى فيئا أيضاً ، و هي الأشياء من الأموال التي لا مالك لها من الناس كرءوس الجبال، و بطون الأودية، و الديار الخربة ، و القرى التي باد أهلها و تركة من لا وارث له، و غير ذلك كأنها زيادة على ما ملكه الناس فلم يملكها أحد و هي لله و لرسوله، والأكثر من هذا جعل الخمس من كل ما يغنم لله وللرسول ولقربى الرسول وسهم الله يرجع للإمام الحق يتصرف فيه في كل ما يساعده لنشر تعاليم الله تعالى ويمكنه من تعليم الناس قال الله تعالى :
{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأنفال 41.


فأن أصل الملك في الغنيمة لله و الرسول ثم يرجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين يأكلونها و يمتلكونها و يرجع خمس منها إلى الله و الرسول و ذي قربى الرسول الأكرم و غيرهم لهم التصرف فيها و الاختصاص بها فكل ما يخرج من المعادن في الأرض خمسها لله وللرسول ولقرباه ويرجع لمن يقوم مقامه بعده بالحق من الأئمة من ذريته المعصومون المنعم عليهم عليهم السلام .
وهذا التمكين من الله تعالى للرسول والأئمة الأطهار وقربى الرسول في وجودهم وحبهم ومودتهم والإمامة وتمكنهم من الناحية المالية بشكل واسع هو كله من الخير الكثبر المختص بذرية الرسول حتى يرضى وهو الكوثر المختص به قال الله تعال :
{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ } الكوثر 3
فأعطى الله الرسول الأكرم كل كرامة ونعيم وكل خير له ولذريته الكريمة والأئمة المعصمين الذين عرفتهم بالخصوص في أية المباهلة والتطهير والمودة . وهذه الآية تسمي ذرية النبي الكوثر والخير الكثير الشامل لكل شيء ، وأنها نزلت بعد ما عيره بعض المنافقين أن ليس لك ذرية وأبنك مات ، فقال الله أن شانئك ومعيرك هو الأتبر ، وبالفعل لا يوجد أحد يعرف أن ينتسب له ، وسول الله أعطاه ذرية من انته فاطمة جعلهم أئمة وأصحاب الصراط المستقيم والصادقون ولهم النعيم وهم أئمة يهدون بأمر الله لبيان كتابه وجعلهم قرآن ناطق ، ومكنهم لتطلق أيديهم في التصرف في الأموال لنشر دين الله وتعاليمه .

وفوق كل هذا أعطاهم كرامة أن يذكرون معه عند العبودية له وفي الصلاة له وكرمهم بآية لو كانت وحدها لكفاهم فخراً وشرفاً وكرامة وعزاً تدل على أنهم هم أصحاب النعيم والصراط المستقيم والصديقون الطاهرون المختصون بالإمامة والولاية والهداية ، وهي وحدها تكفي لأن تدل على أنهم أصحاب النعيم والصراط المستقيم ، وأنهم الأئمة ولا يحتاج لدليل ولا برهان قاطع غيرها لمعرفة أنهم أصحاب النعيم ، وإن كان كل ما ذكرناه برهان قاطع ودليل محكم على إمامتهم وانهم هم أصحاب النعيم والصراط المستقيم ، أنظر هذه الآية الكريمة قال تعالى :

{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } الأحزاب 56 ومن المعروف المتيقن أن أصل الصلاة الانعطاف ، فصلاته تعالى انعطافه عليه بالرحمة انعطافا مطلقا لم يقيد في الآية بشيء دون شيء ، و كذلك صلاة الملائكة عليه انعطاف عليه بالتزكية و الاستغفار ، والصلاة من المؤمنين على النبي انعطافهم بالدعاء وطلب الرحمة للنبي من الله تعالى .
ولهذا يستحب أن نصلي على النبي وآله عند قراءة الآية المباركة حتى لو كنا في الصلاة أو في غيرها وقد جاءت التعاليم في هذا ، وكذا ذكر كل أصحاب الصحاح من العامة والخاصة كلهم ففي الدر المنثور، أخرج عبد الرزاق و ابن أبي شيبة و أحمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن مردويه عن كعب بن عجرة قال: قال رجل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ قال:

قل: اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
و قد أورد ثماني عشرة حديثا غير هذه الرواية تدل على تشريك آل النبي معه في الصلاة روتها أصحاب السنن و الجوامع عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس و طلحة و أبو سعيد الخدري و أبو هريرة و أبو مسعود الأنصاري و بريدة و ابن مسعود و كعب بن عجرة و علي (عليه السلام) و أما روايات الشيعة فهي فوق حد الإحصاء، ولا أعلم لماذا بعض الحاقدين والنواصب يتعمدون عدم ذكرهم عند الصلاة على النبي الأكرم مع وجود هذه الأحاديث الصحاح ، ومع ذلك في الصلاة يصلون عليهم ولكن بالكتابة والذكر يضلون عنهم .
فهؤلاء نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين هم المنعم عليهم وهداة الدين وأصحاب الصراط المستقيم فقد قرن الله حبهم بحبه ومودتهم في مودته وذكرهم مع ذكره ، وفوق كل هذا شرك النبي وآله معه في الصلاة عندما نستعين به بالعبادة لأن يهدينا لصراطه الذي جعله في الدنيا والآخرة بيد نبينا محمد وآله الأطهار ، ومن ثم جعل ذكرهم مع رسوله في التشهد في كل تشهد باليوم تسع مرات نصلي عليهم وأي مقام أرفع من هذا وأي منقبة أعظم منها وأي شرف أعلى منه .
في الحقيقة هذه نعمة من نعم الله على أهل البيت أن يذكرون مع الله ويصلون عليهم في التشهد في الصلاة مرتين وفي صلاة الصبح مرة من قبل المؤمنين وهم في قمة العبودية لله تعالى .
وهذا الجانب المعنوي والروحي والعبادي هي لنعم تهدينا لأولي الصراط المستقيم ، فيجب حبهم وأتباعهم عن مودة مع اليقين بأن قد نفى الله الكذب عنهم والقطع بتطهيرهم وتوريثهم الكتاب وجعلهم راسخون في العلم والحافظون للكتاب من التحريف في التفسير وجعلهم أئمة .

ففي أول الصلاة في سورة الفاتحة جعلنا الله ربنا ليربينا أن نطلب السير والسلوك وفق هداهم وعلى صراطهم المستقيم لأنك عرفت أنهم هم المنعم عليهم ، وفي التشهد في كل صلاة في اليوم تسع مرات جعلنا أن صلي عليهم أثناء التشهد على نحو الوجوب ، ومن يخل بطلب صراطهم المستقيم ولم يقرأ الفاتحة أو لم يصلي عليهم في التشهد في الصلاة لم تقبل صلاته وتبطل صلاته ويكون من المغضوب عليهم الضالين .
فهذا بيان من بيانات الله لأولي النعم وأصحاب الصراط المستقيم وفي القرآن الكريم والكرامات التي خصهم بها فهي من كل نوع معنوي ومادي وكل خير كثير وكوثر ليرتوي منه كل منصف يحب الله ورسوله ، ويحب أن يصل للحق والتعاليم الإلهية الخالصة الصافية التي لا شك فيها ولا شبهة ولا ضلال ، ويرغب أن يلتحق بالمنعم عليهم ويسير على صراطهم المستقيم ويصل لرضا الله وسعادة الدنيا والآخرة ويبتعد عن غضب الله وعذابه وتنكيله قال تعالى :
{ لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} النور 46 فهل تشاء أن تسلك صراط نبينا محمد وآله الأطهار وتلحق بنعيمهم وتسير وفق هداهم عن مودة وحب وتسأل الله أن تقع عبادتك الخالصة في هذا الصراط الموصوف بالاستقامة الذي يسلكه الذين أنعم الله تعالى عليهم وهو الغاية للعبادة والذي نستعين الله للوصول إليه والسير عليه في اليوم عشر مرات ، وذلك لأنك عرفت أن القرآن بين أولي النعم الطاهرين أصحاب الصراط المستقيم والمنحرف عنهم والمخالف لهم في بيان تعاليم القرآن يكون من الضالين المضلين المغضوب عليهم .
فإنه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم بكثير من الآيات التي عرفتها فهل تنتسب لهم وتواليهم وتطلب الله أن يهديك لصراطهم المستقيم لتنعم بالإيمان والأمان في الدنيا والآخرة ، أم تنكر فضلهم ومقامهم ونعيمهم وصدقهم بعد ما استبان لك حقهم وعلو قدر ورفيع مقامهم ؟ وشرف منزلتهم


لا تتعجب بعد كل هذا أن أسألك هذا السؤال !! فإن قوم لما رأوا أن الله فضلهم وآتاهم الملك الكبير على القلوب حسدوا أهل البيت النبوي وتسببوا في قتلهم أو قتلوهم وهموا بحرق دورهم بل حرقوها في المدينة وكربلاء وغيرها وسلبوا سلطانهم الدنيوي وخلافة رسول الله منهم ، وأيدهم أناس آخرون ، وخدع بهم غيرهم وصدق عليهم قول الله تعالى :
{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} النساء 54 فهذه الآية الكريم النازلة في شأن أهل البيت عليهم السلام تمثل ملكهم وإمامتهم بإمامة جدهم إبراهيم والله يريد أن يبين في هذا الإمامة مستمر في ذرية إبراهيم ومحمد عليهم وعلى ألهم الصلاة والسلام ثم تستمر الآية في بيان هذا المطلب فيبين حال من أمن ومن أنكر فضل أولي النعم وحسدهم ولم يؤمن بهم فيقول تعالى :
{ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (57) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاَّ ظَلِيلاً }(57)
هذا ثم الله تعالى يأمرنا أن نؤدي الأمانات إلى أهلها وأي أمانة أهم من الإمامة وحق رسول الله وآله الأطهار في الخلافة والولاية :
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }(النساء 58).
ثم يبين سبحانه في الآيات بعدها من يجب أن نطيع فقد وضع لنا مع رسول الله أولي أمر تدبر قوله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }(النساء59).

وبين الله تعالى في آية أخرى أن ولي الأمر هو الذي يستطيع أن يستنبط حكم الله من القرآن وقد عرفت أن القرآن طاهر والمطهرون هم الذين يعرفونه والصادقون والمنعم عليهم برسوخ العلم وهذه الآية تبين وجوب الرجوع لهم قال تعالى :{ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } النساء 83 .
فولي الأمر لمن آمن بالله ورسوله كما عرفت هم المنعم عليهم وأصحاب الصراط المستقيم الصديقون والشهداء على الناس وقد عرفتهم ، وأن كنت تريد أصرح أنظر قوله تعالى :
{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} المائدة 55
{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ}(المائدة/56).
وكل المفسرين والمحدثين والمؤرخين متفقون على نزولها في علي أبن أبي طالب ، وهذا علي ابن أبي طالب وهذا حزبه فتدبر ، ورسول الله وأهل بيته وذوي قرباه وآله وسيأتي الكلام في الفصول الآتي عن الآيات النازلة في إمامة مولى الموحدين وسيد المتقين وإمام الإنس والجن أجمعين أخو رسول رب العالمين ووصيه علي أبن أبي طالب بالخصوص فترقب .
ثم لا تتعجب فإن سبب أنحراف المسلمين عن ولاة الحق وأولي النعم قد بينه الله تعالى وأخبر عمّا سيحدث عند موت نبيه واستشهاده بعده في المسلمين فأخبرهم وحذرهم وصدق عليهم قوله تعالى :
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} آل عمران 144 فتركوا النبي لم يدفن بعد ليستولوا على منصب الخلافة والإمامة الدنيوية بالغصب والحيلة والمكر ، بسقيفة هيئوا لها وأوحوا لأصحابها ليعقدوها ودبروا أسبابها ثم لحقوا بهم وانتزعوا خلافة رسول الله والإمامة على المسلمين بمكر تزل من الجبال .
وكأن الإمامة والخلافة على المسلمين منصب يستولي عليه كل من هب ودب ، لا أن منصب الإمامة والخلافة بيد الله على طول التاريخ ، وهو الحاكم المعين للحكام وأولي الأمر للمؤمنين ، وهو سبحانه الذي يختار الأنبياء والأوصياء ليهدوا الناس للصراط المستقيم أنظر وتدبر قوله تعالى :
{ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} الحج 76 وإذا ختمت الرسالة والنبوة فلإمامة باقية ، وهل رفع اختلاف الناس وبغي العلماء الذي عرفت أن الله حكاه عن علماء بني إسرائيل وقال فيكم مثلهم سيبغون وقد ذكرنا آياتها أعلاه فتدبره ، وقال عز وجل :
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} القصص 69 نعم إن الله هو يختار أولي النعم الهداة للصراط المستقيم ، وليس كل مَن يستولي على الخلافة والسلطة بالغصب أو يعقد جماعة يبايعوه بالحيلة والمكر والتهديد والقهر ، والله هذه الآيات الكريمة تنبطق كل الانطباق على ما حصل من الغصب لخلافة رسول الله ، وقد حكاها عز وجل عمّا سيقع بعد رسوله وكيف يهجرون أولي النعم وأئمة الحق إذ قال تعالى :
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} النساء 54 .
فقد بين سبحانه حال المسلمين كيف خالفوا اختيار الله وتحكموا بالملك ، وحسدوا الأئمة من ذرية محمد وإبراهيم صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين وأضلوا الناس عن الصراط المستقيم .
والخلافة وتعليم دين الله ليس أمر اعتباطي ويقوم به كل إنسان وأن كان عابد زاهد أو شجاع ولا حتى عالم فضل ، بل المبين لتعاليم الله مختار من الله مصطفى معتنى بتربيته من يوم ولادته بل قبل هذا ، ثم الله يضع له مَلك يسدده أما وحي أو إلهام وهو الروح يأتيه بأمر الله ، وهو بعد أن ينعم عليهم بالعلم والطهارة والفضل والمقام الرفيع والتربية الشريفة ، والله تعالى جعل أولي الأم لم يسجدوا لغيره طول حياتهم ، كما يجب أن يكونوا صادقين ، كما ويجعل عندهم فصل الخطاب ويؤيدهم بالبلاغة والعلم والحلم ، ويكونوا أفضل الناس وأحسنهم ذاتاً وصفتاً وعلماً وعملاً وأيمان وشجاعة وعبادة وزهد وفي كل الموصفات ، ثم سبحانه يختبرهم بكل اختبار ويُري نجاحهم للناس ، ولا يكون في صدورهم حرج مما يقيض الله ورسوله ، ولا يعترضون على قضاء الله وقدره ، وصابرون على كل أنواع ابتلاء الله ، ومن ثم بعدها يكونون خلفاء لرسول الله ويكونون أئمة ومعلمين ومبلغين لدين الله على الحقيقة .
لا أن الإمام والخليفة من الله الناس تنتخبه ، أو حسب دهائه وحيله وخداعه وبالقوة والوعد والوعيد والقوة والقهر والغضب للخلافة يكون حاكم دين ومعلم لتعاليم الله وهو لا يفقه شيء منه إلا القليل والباقي يفتيه حسب رأيه واجتهاده كأنه مكمل لوحي الله وتعاليمه ، فيتسلط على الحكم ويجعل الناس يُفتنون به ويحرفهم عن الأئمة الحقيقيين ويصرفهم عن أهل البيت والوحي والتنزيل المطهرون ، ويُضل أتباعه عن الصراط المستقيم الذي أختص بالهداية إله المنعم عليهم ، ويصليهم والمخدوعين به غضب الله وانتقامه ، وإلى الآن كثير من الناس يقرءون في الصلاة أهدانا الصراط المستقيم ولم يعرفوا أهله ، ولم يصلوا للحق في معرفة رجاله الذين أعدهم الله ورعاهم لهداية خلقه ، وكأن دين الله وكتابه وكلامه : ألفاظ بدون معنى ، ولقلقة لسان بدون مفهوم ، أو قول بدون حقيقة .

وعلى كل الأحوال لابد أن تعرف إمامك وخليفة الله الحق لدينك ، وصراط من تسلك وعلى أي طريق تمشي ، وهدى من تتبع ، وهؤلاء المنعم عليهم الصديقون قد استبانوا لك وهم أئمة الحق ، وهل عند أحد غيرهم ما لهم من الكرامة عند الله والآيات المبينة لقدرهم وشرفهم وفضلهم وقد عرفت قسم منها وإن الله يقول :
{ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} الصافات 24 وسوف تسُأل عن أصحاب النعيم والصراط المستقيم وأئمة الحق والهداة لدين الله تعالى وتدبر قوله تعالى إذ يقول عز وجل :
{ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} الإسراء 72 .
وهذه الآية الكريمة تبين أن الأئمة نوعين لا ثالث بينهم ، فإما إمام حق يقود أتباعه على الصراط المستقيم ويسلك بهم في النعيم ورضا الله ، وإما أمام ضلال يسلك بأتباعه لغضب الله وجحيمه ، والثالث منافق تابع للثاني لا منطقة وسطى بين الحق والباطل والمشرك في النار والمنافق مثله .
فإما تتبع إمام حق مسدد من قبل الله ومختار من قبله وهو سبحانه يجعله يهدي بأمره ووحيه أو إلهامه ويرعاه بالروح ، وهو في نفسه طيب طاهر عابد زاهد مقيم الصلاة وعارف بها وبحدودها ومعلم لها ومعطي الزكاة أنظر قال الله تعالى :
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } الأنبياء 73 والله تعالى بين إن الإمام علي ابن أبي طالب مصداقها الحقيقي والفاعل بالخير والمصلي والمؤتي الزكاة وكان عابد لله على بصدق نية وإخلاص ولا يوجد غيره إذ قال عز من قائل وجل كما عرفت : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} المائدة 56 وهذا هو أمام الحق وولينا قد تصدق وأعطى الزكاة وهو في حال العبادة في الصلاة كل معاند له ضال ، لأن الأمام الحق هو مَن يسدده الله بالروح بأمره وهو يعمل وفق أمر الله ، والله أختاره وهداه واعدّه للهداية ، وأنعم عليه وعلى الناس بأن عرفه لهم أنه هو الهادي وصاحب الصراط المستقيم تدبر الآيتين السابقتين وتدبر الآية التالية قال الله تعالى :

{ يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِي} النحل 2 فإن الأمام مسدد بالروح كالنبي إلا أن النبي الرسول يختص بشريعة جديدة والنبي ولم يكن رسول يختص بالتبليغ للشريعة السابقة ، ولما ختم الله النبوة لكي لا يدعي أحد التشريع بعد النبي جعل له أوصياء وخلفاء وأئمة مسددون بالروح من أمر الله تعالى ، وذلك بيّن وواضح ودليله استمرار ليلة القدر على طول الزمان وهو يتنزل على الإمام بأمر الله تعالى :
{ تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} القدر 4 ، فهذه لإمام الحق والله يسدده بالروح ويلقي عليه ما يراه سبحانه موصل لعباده لسعادة الدنيا والآخرة ولما فيه صلاحهم وما به يمكنهم أن يصلوا للعبودية الحقيقية له تعالى ، ولينذروا العباد يوم القيامة أنظر قوله تعالى :{ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ} غافر 15 .
هذا وقد عرفت في كيفية جعل الإمامة لنبي الله إبراهيم أنها عن اختبار من الله وابتلاء وامتحان والله علم بمن ينجح حتى يستحق هذا المنصب العظيم حيث يدعوا لله ويبلغ تعاليمه على كل الأحوال التي تنفع في بيان الحق ، ثم يجعله الله يهدي بأمره أنظر قول الله سبحانه وتعالى :
{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة 24 ، فالإمام الموقن الصابر يهدي بأمر الله تعالى .
وأما القسم الثاني فهم أئمة نفاق وضلال وعميان عن الصراط المستقيم والهدى الذي يأتي به الروح من أمر الله وهم أئمة كفر أنظر قوله تعالى :
{ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} التوبة 12 فهذا الله يبين أن في زمن النبي يوجد أئمة كفر والنبي مقابلهم أمام حق وبعده وصيه ، وعلى طول الزمان السابق على نبينا الأكرم وإلى يوم القيامة مسلم ومحقق استمرار وجود أئمة الحق والهدى وأئمة الضلال والباطل ، وهم مستمرون على الطول الزمان مادام موجود الحق والهدى وعاملون فيهما وباطل وضلال ومروجين لهما ، فكما عرفت أئمة الحق يهدون بأمر الله جعل الله قادة الظلال والباطل أئمة يدعون للنار قال تعالى :
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} القصص 41 .


وهذا وقد عرفت أن الأئمة نوعين أئمة حق وهدى وأئمة باطل وضلال ولا ثالث بينهم إلا أتباعهم والتابع ليس بإمام ، وأن من يقود للحق والهدى يقود للصراط المستقيم ويهدي بأمر الله بما أنعم عليه من تسديد ومناصرة الروح له ووليه الله تعالى ، وأعدائه أئمة باطل أصحاب الضلال ووليهم الشيطان قال تعالى :
{ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} الأنعام 121.
والإنسان مخير فيمن يتبع ، وهذه أدلة الأئمة آل نبينا محمد الطيبين الطاهرين صلاة الله عليه وعليهم أجمعين ، وأعدائهم ومخالفيهم أئمة الباطل والضلال ، والله لو شاء لجعلنا كلنا مسلمين ومتبعين لأئمة الحق والهدى ، ولأنزل آية تجبرنا على الإيمان بأصحاب الصراط المستقيم كما قال تعالى :
{ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} الشعراء4 ولكن الله لم يشأ الإجبار للهداية لدينه وخير الإنسان فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر كما قال تعالى :
{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}النحل 93 ومن انتخب وأختار الضلال فلا يمسكه الله ويدخله غضبه ومن ينتخب الهدى فالله يعينه قال تعالى :
{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)
كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20).
انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}
الإسراء 21.
وقد جعل الله على أئمة الحق الأدلة والبراهين في الكتاب وعرفهم نبيه الأكرم ولم يبق عذر ولا حجة لمخالفهم ، وقد عرفت في هذا الفصل والفصول السابقة وما سيأتي أدلت لأولي النعم وأصحاب الصراط المستقيم ، والإنسان مسؤول عن عمله في يوم القيامة ومثلها قال تعالى :
{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} الكهف29.

والمسألة جد لا لهو فلابد أن تختار لك إمام يهدي بأمر الله مطهر صادق مأمور بحبه ووده واتباعه منعم عليه ، فنحن قد أنعم علينا واخترنا نبينا محمد وآله ذريته وأهل بيته المطهرون المأمورون بحبهم أئمة ؛ لأنهم عليهم السلام أصحاب الصراط المستقيم وهم الأئمة بعده وخلفائه الحقيقيين ، وأئمتنا هم بعد النبي الأكرم : علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن ثم الحسين ثم ابنه علي وابنه محمد وابنه جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي وابنه حسن وبن محمد أخر الأئمة وهو حجة الله في هذا العصر والزمان إلى قيام الساعة إذ لا تخلوا والأرض من حجة قائمة لله تعالى وهم أسباط نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته ، وخاتمهم الآن هو صاحب ليلة القدر وهو الذي يتنزل عليهم الروح بأمر الله وأمره وملكهم على الدين والقلوب مستمر إلى يوم القيامة أنظر قوله تعالى :
{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}(القدر4). وقال تعالى :{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ }الأنبياء 73.
ولا يحق لأحد أن يختار إلا ما اختار له الله من الأئمة أنظر قول الله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}القصص68 وقال سبحانه :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}النساء49.
وقد عرفت فضل أل محمد عليهم السلام ،وبينا وجوب مودتهم ولهم وراثة الكتاب ، وسيأتي فصل في بيان أن لكل أمة شهيد عليهم يرقبهم بأمر الله يسدد المجدين في سلوك سبيله لحقيقة عبودية الله وفق ما يرضى من الصراط المستقيم ويزكي عملهم في يوم القيامة عند قيام الأشهاد كما ستطلع عليه في الفصل الآتي وهم المطهرون كالقران والصديقون المأمورون باتباعهم وهم قرناء القرآن قال تعالى بالإضافة لما عرفت :
{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } الرعد43
والشهيد الذي عنده علم الكتاب في زمان النبي وبعده كان علي ابن أبي طالب وبعده سبطا النبي الحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام والآن الإمام المنعم عليه والشهيد الذي عنده علم الكتاب وهو من أصحاب ليلة القدر وهو صاحب الصراط المستقيم المنعم عليه هو الإمام الثاني الحجة بن الحسن العسكر عجل الله فرجه الشريف وهو الشهيد علينا الآن ، وهو الطيب الطاهر الزكي من تلك الذرية الطاهرة وأخرهم الذي سيملأ الله به الأرض عدلاً قال تعالى :
{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} الأنبياء 105
{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} القصص5 .
والمؤمن الحقيقي يقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم بصدق ويسعى للوصول إليه والبحث عن أولياءه ، لا أنه أيمان فارغ بوجود منعم عليهم دون معرفتهم ولا أتباعهم من غير عمل بهداهم ، فالله يسأل أصحاب الصراط لمستقيم المنعم عليهم أنه هل هذا من أتباعكم أم لا ؟ ! هل أخذ تعاليمه منكم وممن نصبتموه كمرجع لتعليم التعاليم التي فهمتها لكم أم لا ؟ وأن كان هو أعلم منهم ولكن ليبين لأتباعهم ومخالفهم فضلهم ويقيم الحجة لهم ، وهذا تقرير وتكبيت للعباد يوم القيامة ، كشهادة جوارح الإنسان عليه يوم القيامة ، كما تشهد وتتكلم رجله ويده وكثير من الشواهد الأخرى كما سترى في الفصل الآتي .
والله سبحانه وتعالى عالم ولا يحتاج لشهادة أحد وكفى به شهيد ويمكن أن يدخل الجنة والنار بدون حساب يوم القيامة حسب علمه بإيمان الإنسان وعدمه ، ولكن الله عز وجل له لطف عميم ويريد أن يبين كرامة أولياء ويقيم الحجة على أعدائه ويرهم فضل أحباءه وسادات الدنيا والآخرة ، والذين اختارهم الله على علم واصطفاهم واجتباهم هداة لدينه الحق ، وذلك لكي ينبه المؤمن حتى لا ينخدع بكل من يدعي الولاية والإمامة وخلافة الرسول بالباطل من غير دليل ولا برهان فقط لتسلطه على الحكم بالخداع والحيلة ويخلق له أتباعه وأنصار الباطل والمنافقين الحجج الواهية ، ويضل الناس ويصليهم غضب الله وانتقامه ، فالله أنزل كتاب متكامل فيه تبيان كل شيء وجعل له حججه مبينين وشارحين وحفظة وشهداء وأئمة حق يهدون بما يستنبطوه عن علم ممن يطلب تعاليم الله الحقيقة كما يريدها الله وأمر بها من غير ضلال رأي أو استحسان قريحة وهوى نفس وتسويل شيطان .
وأن أصحاب الصراط المستقيم والذين يهدون إليه المنعم عليهم وجودهم دائم مادامت الدنيا متواصل ولا يخلوا منهم زمان ، وبذلك يفوز وينجح المؤمن الباحث عن الحق عن بصيرة وبينه وحجة ، فإن دين الله حق وصدق وعدل لا هزل ولا تساهل ولا تغافل عن شيء مما يبين عدل الله وحجته .
فهذا نبينا الأكرم محمد وآله الأطهار والأئمة بعده أصحاب الصراط المستقيم المنعم عليهم الصادقون والشهداء نحن نتبعهم ، فمن عنده دليل وبرهان غير هذا لأئمته فليأتي به ويعارض هذا ، وهيهات أن يجد ربع آية تؤيده ولم يشركه فيها أولياء الله أهل البيت عليهم السلام أو لهم أفضل منها ، فلا كرامة لأحد وليس فيها أهل البيت فيها نصيب بل هم سادتهم المسلمين والمقدمون عليهم في كل فضيلة ومنقبة .

وأقول أعلم وكل المنصفين يعلمون أنه لا توجد لأحد كرامة لا يشاركاهم فيها أهل البيت وهم مقدمون عليه وأحق بها منه ، ولا أعلم لماذا يترك أهل البيت ويجفونهم مع هذه الكرامات الإلهية والنعم الربانية والأدلة القرآنية والسنن النبوية والمعارف الحقة التي تهدي لأصحاب الصراط المستقيم والأئمة من آل محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام .
وأنا خادم علوم آل محمد عليهم السلام شيخ حسن جليل حردان : أشهد أن لا إله الله ، وأشهد أن محمد رسول الله ، وأشهد أن علي بن أبي طالب ولي الله وأمامي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي ومحمد بن الحسن الحجة المنتظر أئمتي وسادتي وأولياء ديني بعد نبيي ، وهم حفظة الكتاب وعندهم علمه وهم الذين يهدون إليه ، وهم على صراط مستقيم قد أنعم الله عليهم وفضلهم ربي على العالمين وجعلهم شهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء والآية الموصولة بين الناس وتعاليمه وهم الذين يهدون لها بالحق ، وأن كل من خالفهم ضال مضل ومغضوب عليه .
اللهم هذا ديني وهؤلاء أئمتي وأسترعيك إياه وثبتيني عليه في الدنيا والآخرة فإنك على كل شيء قدري وبالإجابة جدير و قد قلت :
{ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} الإسراء 72 .
وقد أمرتنا أن نقول في الصلاة كل يوم عشر مرات :
{ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }
الفاتحة ، وقلت سبحانك :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة 119 . فيا إلهي إني أشهد أن نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه وملائكته عليهم أجمعين هم الذين أنعمت عليهم وصراطهم مستقيم وغيرهم من المغضوب عليهم والضالين .

 

 








رضيت بالله رباً ، وبمحمد نبيناً ، وبالإسلام ديناً ، وبالقرآن كتاباً ، وبالكعبة قبلتاً ، وبعلي ولياً وإماماً ، وبالحسن والحسين والأئمة صلوات الله عليهم ، اللهم إني رضيت بهم أئمة ، فأرضني لهم إنك على كل شيء قدير
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان



ملاحظة : هذا الفصل الثاني من كتاب صحيفة الثقلين ولما كان مختص بالتدبر في بالآيات الأخيرة من سورة الفاتحة { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } الفاتحة 7 .
وبعض ما يبين ويشرح هذه الآيات الكريمة ، جعلناه هنا حتى يتم بالتدبر في جميع سور القرآن المجيد بإذن الله تعالى ونسأل الله أن يوفقنا لها ، وتمام البحث في الإمامة في صحيفة الثقلين وأصول الدين فراجع وهداك الله وإيانا لأولي نعمه وثبتنا على صراطه المستقيم ورحم الله من قال آمين .
 

 

اللهم إياك نعبد وإياك نستعين أهدنا لصراط
نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين دون غيرهم
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري